آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

والحرية لعق على ألسنتهم

أمير الصالح

في جملة منقولة عن سيد شباب اهل الجنة، الامام الحسين : «والدين لعقٌ على ألسنتهم». اقتبست الجملة واحللت كلمة ”الحرية“ مكان كلمة ”الدين“. اطمئناني الشخصي بان الدين الحق في غايته التحرر من الاهواء والشخصنة وعبودية الشهوات والذات والمال والسلطة والتحرر من زخرف القول او الفعل او المجاملات الى طاعة خالق الكون طاعة تستحضر الاحترام للاخر وعدم انتهاك كرامة الناس وتقوى الله والسعي لكسب رضا الله والاقتداء بهدي وسلوك ونماذج الانبياء والصالحين من اولياء الله.

حركة النقد السلبي التسقيطية المتصاعدة، والنقد المضاد انتقاما من هذا او ذاك الفريق، لرموز وقيادات كل جهة تجاوزت التصنيفات المتعارفة السابقة الى مستويات غير مسبوقة. كانت الجموع البشرية قديما تُصنف الناس في داخل المجتمع الواحد بين مؤمن بوجود الله وملحد، ثم تولدت مرحلة تصنيف ابناء المجتمع على اساس الدين بين مسلم او مسيحي او يهودي واعقبها مرحلة تقسيم الناس بين مسلم سني ومسلم شيعي وهكذا امتدت الى مرحلة تصنيف الناس بين مسلم سلفي ومسلم اشعري ومسلم جعفري ومسلم اسماعيلي ثم تطورت الى مرحلة ان هذا مع ذاك او ضد هذا وتوغلت التصنيفات الى مرحلة متقدمة جدا حتى طالت تصنيف ذات الانتماء الواحد ب اطلاق نعت شخص يعتقد بالخرافة واخر يُنعت بانه حداثي او علماني او ليبرالي داخل ذات النسيج لـ المجتمع الواحد حيث النسب والمصاهرة والدم الواحد والمصير الواحد!.

على امتداد ازمنة طويلة، صُرفت جهود واموال وندوات وتحزبات ومقاطعات ومناوشات وتم تاليف كتب واطلاق برامج تلفزيونية ونشر كاسيتات تصادمية واطلاق بيانات او فتاوي في عدة مراحل زمنية متباينة على اسس التصنيفات السائدة. تفتت مفاهيم الوحدة واللحمة حتى تلاش الكثير من قوى المجتمعات في العالم القديم «الشرق الاوسط وافريقيا» واستفاد النزر القليل من اهل المصالح على حساب الجسم الكبير من الوطن القومي ك العربي او الاسلامي او الانساني. وهذا الوضع حيث تصاعد المشاحنات واهدار الطاقات والقوى هو اسداء خدمة مجانية لمن يسعون ويطمحون بالفتك بالمجتمع ومصداق لشعار ”فرق تسد“ الذي يخدم اعداء المجتمع والقيم السليمة والانسانية. يبدو لي وللبعض من الناس ان الصراعات داخل العقلية لكل الاطراف مازالت واثبة وتاكل طاقات وموارد جمة حتى عبر احد الكتاب، في الشرق الاوسط داخل كل شخص، شخص شرير مستبد اقصائي ينطلق للفضاء الخارجي عند تهيئ المحيط لذلك. وهذا ليس صحيح فقط في الشرق الاوسط بل مصاديقه ماثلة في كل انحاء العالم.

القارئ النهم لكتابات الفلاسفة القدماء والمفكرين الغربيين والاطلاع على كتابات متنوعة لحداثوي ومفكرين اسلاميين من اهل المشرق والمغرب ك ملا صدرا والسيد محمد باقر الصدر ومطهري وعلي الوردي وسروش وشبستري وملكيان ونصر حامد ابوزيد واركون والجابري وسيد قطب وابن سينا وابن رشد وفوكياما ونعومي وغيرهم الى جانب مفكرين اسلاميين اخرين لا يعطي الحق لـ القارئ المؤدلج الغاء فريق اجتماعي اخر له قناعات مختلفة انتصارا لنفسه وشخصه وشعاراته وجماعته.

فمثلا والامثلة تضرب ولا تقاس، ليس مطلوبا ممن يحب زوجته ان يكتب وينشر ويزعج الاخرين بالقول او الكتابة للناس بانه يحب زوجته؛ لانه ببساطة سيقول له الناس: لا تزعجنا بحبك لزوجتك وهذا شي يخصك. من جهة اخرى، ليس من العقلانية في شي ان ينشر احد الازواج مقال او تسجيل يوتيوب في حق زوجته ويعبر عن كره الشديد لها امام الناس ليقبحها في نظر الاخرين. فالجميع سينكر عليه ذلك وسيتدخلون بالاقتراح عليه بالانفصال منها او التزوج عليها او هجرانها؛ وهنا قد يقول ذاك الشخص الذام، والبعيد عنا وعنكم، ان هذه الاقتراحات تدخل في شؤونه الخاصه وسيحس متاخرا انه اقحم الناس في اموره وسيكون محل استصغار من جميع المحيطين به.

اذا خرجنا من المثال السابق وتاملنا الواقع فقد يعتقد طرف انه الان لا يشق له غبار في كل امور الادارة والاقتصاد والدين والفلسفة وكل شي لمجرد انه شاح بوجه عن كتاب كذا وانغمس بقراء كتب وافكار معينة او اسقط طقوس عبادية من رزنامته اليومية ليبدأ طقوس شرب القهوة في مكان محدد بوقت محدد بوسط اجتماعي محدد، او انتقد زيارة اماكن العبادة لابناء مجتمعه والتحق هو بمن يتطوف الاماكن التاريخية في بعض بقع العالم الغربي، او اسقط في استدلاله الايات القرآنية وتمسكه القوي للاستشهاد بقول الكاتب الروائي والفيلسوف الفرنسي كذا. كل هذا لا يعطي الحق لاي احد من ابناء ذات المجتمع بشطب الاخر في المجتمع او نصب العداء وتسليط الجهد والوقت لشطبه لمجرد انه لا يتوافق مع بعض افكاره.

من المقاربات العجيبة التي يستخدمها البعض لتهكم على ابن مجتمعه ممن لا يتوافق معه والتي لخصت بعضها هنا كملاحظات اشاركها اياكم هي التالي:

يتهكم على اللباس

الشخص المتدين يلبس عمامة

الشخص الشعبي يلبس شماغ

الشخص العلماني لا يضع شي على رأسه معظم الاوقات

الشخص الليبرالي يلبس قبعة افرنجية في الكثير من الاحيان

ويتهكم على الشراب

المتدين يشرب الشاهي المخدر

الشعبي يشرب الشاهي الاسود والقهوة العربية

العلماني يشرب القهوة الامريكية بطقوس محددة

الليبرالي يفضل شرب القهوة الامريكية من اماكن محددة ويحب ان يجمع اناس حوله لينظر لهم عن الايدلوجيات المعاصرة والاقتصاد والتنوع الفكري وانتقاد البناء الاجتماعي

ويتهكم على محطات السفر

الشخص المتدين يحب زيارة الاماكن العبادية المقدسة ويعرج على بعض المتنزهات ان وجدت في مقصده ويفترش الارض

الشخص الشعبي يحب التنوع في محطات ووجهات السفر

الشخص العلماني يحب السفر لاماكن يؤكد فيها تناسق محطات سفره مع قناعاته

الشخص الليبرالي يسافر حيث يود ان يشبع مشاهد مسارح الاماكن الليبرالية بكل تفرعاتها السلوكية والقانونية والتطبيقية والجديد الذي انبثق فيها

ويُعير الشخص بما يقرأ او يُشاهد وينتقد سلبا

المتدين يقراء الكتاب السماوي «القرآن الكريم» والكتب الفقهية وكتب المسجالات الفكرية والعقدية والمذهبية

الشخص الشعبي يفضل برامج التسلية والافلام الجديدة والالعاب الخفيفة

الشخص العلماني يشغف بافلام الخيال العلمي الصادرة عن السينما الامريكية

الشخص الليبرالي يفضل مشاهدة الغريب من الافلام حيث جلد القناعات ومشاكستها

ويمتد التهكم على الافق

افق الانسان المتدين الانتصار لاراءه

افق الانسان الشعبي العيش بسلام

افق العلماني الانتصار للعلم واخضاع كل شي للتجارب وابهار من حوله بنتائج تجاربه

افق الليبرالي حب السيطرة وزيادة دخله والفردانية

ولايقف التهكم عند كل مافات بل حتى يُسطر قياس مستوى جلد الذات

الشخص المتدين مستوى جلد الذات لديه منخفض

الشخص الشعبي لا يجلد ذاته بل ينفر ممن يجلد ذاته

الشخص العلماني يجلد المحريطين به

الشخص الليبرالي يجلد الجميع حتى ذاته من حيث يشعر او لا يشعر

قد لا يوافق بعض القراء على ماتم ملاحظته اعلاه في حق الاصناف البشرية المدونه اعلاه ولكن هذا رأي وكل رأي قابل للصواب وعكسه. وطبعا لدي علما بان المكون الاجتماعي يضم اطياف اخرى ك متدين متطرف ومتدين معتدل ومتدين متصوف وانسان شعبي ذو افق فكري مستقل وانسان شعبي متذبذب وانسان شعبي امعه والليبرالي له تصنيفات وكذلك العلماني له تصنيفات، الا انني اكتفيت بذكر السواد العام فيما ذكرت اعلاه. للوسط القانوني الذي يوجد فيه ابناء قوميه واحدة واطياف متعدده اثر كبير في صعود او تنحي المماحكات والتراشقات؛ فمثلا ابناء مجتمع عربي ذو اطياف مختلفة في دول القانون الاوربي تختفي فيه منسوب الصدامات والمماحكات والعكس صحيح في حالة وجود ذات الاطياف في دولتهم الاصل او حيث غياب دولة القانون. المضحك في حالة وجود قبضات قانونية او بوليسية قوية تسيطر على المجتمع الواحد او داخل الوطن الواحد، فان كل طيف اجتماعي يدعي بقبوله بالطرف الاخر؛ وعند الوقوف على الادبيات لكل وسط باستثناء الوسط الشعبي فان كل طيف يُسقط الطيف الاخر ايدلوجيا ويغمز عليه سلوكيا ويشنع عليه طعنا وتصغيرا. نعم، حراك العقول والنقد البناء والمدارسة لقضايا الاختلاف بهدف ايجاد حلول عملية وتوافقيه هو مطلب اساس. الا ان حالات الخصام في احيان عديدة تجردت عن العقلنه ومناجزة الافكار، فوصلت الى الطعن في الشرف وطهارته وما يجل اللسان عن ذكره بين بعض المختصمين؛ وهذا خلاف العقل والمنطق وانما هو فجور في الخصومة نجل كل انسان سوي الفكر والفطرة والعقل منها او الانخراط فيها.

ونقول مهلا مهلا لكل الاطراف الاجتماعية والوطنية والقومية... اين حرية التعبير وحرية الرأي وحقوق الانسان وكرامته ذهبتم بها ايها المختصمون... مالكم ياجماعة الخير كيف تحكمون وكيف للبعض سامحه الله غيب الله ويوم الاخرة عن ذهنه عند النقاش والتعاطي مع الاخرين.

نهمس بكل ادب واحترام ورجاء في اذن كل الاطراف لابناء المجتمع والوطن الواحد لاسيما المتشددين بالتالي:

يا جماعة الخير اطلقوا الفاظ الاحترام وقلموا خطابات التطارح والاستنقاص قبل ان تنعدم بكم الحيلة وتفقدون نظرة الاحترام من الاخرين نحوكم ويهجركم او يعتزلكم الجميع دونما اسفا على هجرانكم. لا نقول لاي منكم ان يتنازل عن قناعاته وايمانه وواصلوا الحوار الهادئ والهادف ولنبتعد جميعا عن التحريض والقطيعة.

في ظل الاحداث الدولية وتقلباتها، العالم حالياً يعيش على صفيح من نار قد تلتهب الى ماهو خارج السيطرة في أي وقت، ومن الحكمة السعي لخلق افاق حوارات هادفة داخل كل مجتمع.

اسال الله ان لاياتي ذاك اليوم الذي يُقال فية " اسفا على مافات واسفا على زوال النعم وانفراط تكاتف الاطراف في حل المشاكل وتقريب وجهات النظر لما هو مشترك؛ او يقال اخر، اسفا على تسابق البعض في زيادة حدة التصادم الذي يهدد جميع الاطراف دون استثناء وخبت روح اصلاح ذات البين وعدم المبالاة بعاقبة الامور.

تزايد منحنى التصارع *هو أكبر دليل على فقدان او تلاش الاصغاء لصوت الحكمة في اطراف المجتمع الواحد، فماذا نتوقع أن يكون عليه المجتمع في مستقبل الايام؟ *

نرجع ونستعير جملة اخرى من سيد شباب اهل الجنة مع الاضافة والتصرف: ”إذا محصّوا بالنقد البناء «البلاء» قلّ الاحرار «الديانون»“. فارجوا عدم التحريض بين ابناء المجتمع او التخوين او السعي بالتفتيت او الاتهام او الطعن او التشهير او التسقيط او التنابز. ونعم للمدارسة الفكرية والعلمية والعقلية.