آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

دروس من ذكرى 30 يونيو

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

في الثلاثين من يونيو، من هذا العام، مرت ست سنوات، منذ انتفض الشعب المصري، ضد سلطة جماعة الإخوان، بعد فترة قصيرة من تولي محمد مرسي رئاسة الدولة، امتدت من30 يونيو/ حزيران 2012 حتى 3 يوليو/ تموز 2013. وهي الفترة الوحيدة التي تفردت فيها الجماعة بتسلم الحكم، في بلد عربي، لكنها تركت آثاراً سلبية، سياسية واقتصادية وأمنية، لا تزال الأمة العربية، تعاني تداعياتها حتى يومنا هذا.

الدرس الأول، الذي قدمه وصول الجماعة إلى الحكم، هو أن تجريف الحياة السياسية، وتغييب دور مؤسسات المجتمع المدني، ينتج عنه غياب القوى المستنيرة، وقيم الحداثة. ويتراجع فيه المشروع الوطني والقومي، لصالح انتماءات إقليمية وعالمية مشبوهة، حيث الأولويات ليست للوطن أو الأمة، ولكن للجماعة وامتداداتها ومصالحها التي لا تتوافق باستمرار مع المصالح الوطنية والقومية.

لم يكن بإمكان الجماعة التفرد بقيادة ساحة العمل السياسي العربي، لولا هيمنة الاستبداد والفساد، الذي ساد في معظم أقطار الوطن العربي، في الفترة التي سبقت ما بات معروفاً ب «الربيع العربي». ولأن الكون لا يقبل الفراغ، ولكون مجتمعاتنا العربية، هي مجتمعات إسلامية بطبعها، فقد استثمرت الجماعة المنابر الإسلامية، وأماكن العبادة للتبشير ببرامجها، في ظل غياب وكبت واضح للتيارات السياسية الأخرى.

وقد كانت برامج هذه الجماعة، في كثير من الأحيان، متماهية مع مشاريع الغرب، الهادفة لتفتيت الوطن العربي. ولن نأت بجديد إذا ما استحضرنا تصريحات الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، الذي دعا صراحة، ومن الأزهر الشريف، إلى تمكين الجماعات التي وصفها بجماعات الإسلام المعتدل، من لعب دور رئيسي في الحياة السياسية العربية. والمقصود بذلك هو ضمن المعطيات الراهنة في الوطن العربي آنذاك، هم جماعة الإخوان المسلمين.

استحضر الغرب، والولايات المتحدة بشكل خاص، تجربة تركيا، ودور حزب التنمية والعدالة، بقيادة رجب طيب أردوغان، ورأى فيها نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه الحال، في البلدان العربية، التي تحظى جماعة الإخوان بحضور قوي فيها. وهكذا أريد، وهكذا كان.

فلم يمض وقت طويل على تصريحات الرئيس أوباما، حتى اندلعت الثورة التونسية، ثم المصرية، ثم الأحداث الدموية في ليبيا وسوريا، وحركة احتجاجية واسعة في اليمن. وكانت المنطقة بأسرها، مرشحة لانفلات أمني واسع، بعد تمكن الإخوان من حصد غالبية المقاعد النيابية، في تونس ومصر، وبعد أن أضافت لهم المصالحة الوطنية في اليمن ثقلاً سياسياً واضحاً.

وفي ليبيا، تمكنت الجماعة، مدعومة بعناصر إرهابية متطرفة تتلفع باسم الإسلام، من إسقاط نظام العقيد القذافي، وقتله، وإقامة نظام متخلف، ما لبثت عناصره، أن تناحرت مع بعضها، لتسهم في تشظي وتمزيق القطر الليبي، وجعله من أهم معاقل الإرهاب على مستوى العالم.

في سوريا، وفي عاصمة الأمويين بالذات، تعطل المشروع الإخواني، رغم ما لحق البلد الشقيق من دمار وتخريب. ويبدو أن الأزمة السورية، في خواتيمها. ونتطلع إلى أن يندمل جرح سوريا، وتستعيد قوتها وحضورها ودورها العربي مجدداً، في القريب العاجل.

صحيح أن المشروع الإخواني، هزم في مصر، وتراجع دوره في تونس، وقبر في سوريا. لكن ذلك لن يكون نهاية المطاف. فالجماعة لا تزال تحظي بحضور سياسي قوي في عدد من الأقطار العربية. والتمزق الحاصل، في حزب النداء التونسي، والأمر إن استمر على حاله، فإن دور هذا الحزب، سيتراجع للخلف، بما يتيح الفرص لحركة النهضة للقفز إلى الأمام. ويعيد تونس إلى المربع الأول، الذي عاشته في الأيام الأولى لسقوط نظام زين العابدين بن علي. وللإخوان دور يتعاظم أيضاً في اليمن، مستغلاً ظروف البلاد الصعبة. ولهم حضور كبير ومعروف في الحياة السياسية في مشرق الوطن ومغربه.

لن يكون غريباً القول، إن الجماعة تقف خلف الأحداث التي تدور في الجزائر والسودان، مستغلة الغضب الشعبي، تجاه الأوضاع السيئة التي سادت طويلاً في البلدين الشقيقين، والتي يمكن أن تختزل في هيمنة الفساد والاستبداد بهما لفترة طويلة.

المواجهات الأمنية للجماعة، قد تكون أمراً لا مفر منه، في بعض الأقطار العربية، لكن المعالجات الأمنية للأوضاع السياسية، تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، لعل أهمها هو الخلط بين القوى المعارضة، المؤيدة للدولة الوطنية واستقرارها ونموها وتقدمها، وبين القوى التي تضمر الشر لهذه البلدان. إن استمرار التجريف السياسي، سيضعف القوى المدنية، وسيعيد الجماعة إلى الواجهة إن لم يكن الآن، فسيكون ذلك بالمستقبل القريب. وبذلك تهدر التضحيات الكبيرة، والدماء الزكية، التي بذلت من أجل التغيير، وتحقيق الغد الأفضل.

ينبغي أن تسود لغة الحوار، وتفتح نوافذ الحرية، ويشع النور، حيث تتراجع الخفافيش، وتنتصر قيم الحداثة وترتفع رايات الأمة عالية خفاقة. بفتح الأبواب مشرعة لقيم الاجتهاد وحرية الفكر، وروح التسامح، يهزم الإرهاب، ونعيش جميعاً في مجتمع التقدم والكرامة، والتنمية والبناء، والمستقبل الجميل الواعد. تحية لشعب مصر وقيادتها وهم يحتفلون بعيد الثلاثين من يونيو/حزيران المجيد، ولتبقى مصر قلب العروبة، وضميرها النابض.