آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 3:29 ص  بتوقيت مكة المكرمة

هكذا انتهى زمن الفضائل

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

ورد في بعض المصادر أن علياً بن أبي طالب أمر القائم على بيت المال، بتسجيل نصراني على قوائم العطاء، بعدما عجز عن العمل وبات في حاجة للعون. فسئل في ذلك فقال: «استعملتموه فلما عجز أسلمتموه؟». ونقل أيضاً أن عمر بن عبد العزيز أمر بنثر الحبوب على رؤوس الجبال، كي لا تموت الطير من الجوع، بسبب الشتاء القارس وقلة الأرزاق. ولم أعثر على مصدر قديم لهذه القصة، لكنها منتشرة من دون إسناد.

ثمة في التراث قصص كثيرة مثل هاتين. وهي تنقل في سياق التذكير بفضائل أصحابها، أو في سياق الإشادة بفضائل الإسلام وأخلاقياته بشكل عام. ولا شك أن في الإسلام وأحكامه مثل هذا وفوقه. كما أن أشخاصاً مثل علي وعمر، ممن يشار إليهم بالبنان حين يجري الحديث عن مكارم الأخلاق.

دعنا نقارن مضمون هذه القصص بنظائرها في المجتمعات المعاصرة. نعرف أن جميع الدول تقريباً لديها نظام للضمان الاجتماعي للأفراد، في حال العجز أو التعطل أو المرض. وهي أنظمة يستفيد منها كل الناس، دون حاجة لاستئذان المدير أو الوزير أو الخليفة، أو حتى علمه بالحالة.

كما أن لدى المجتمعات المعاصرة أنظمة لحماية عناصر النظام البيئي كلها، من حيوان ونبات وطير ومسطحات مائية وغيرها. وترصد الدولة ميزانيات سنوية وتقيم إدارات متخصصة لتنفيذ هذه المهمة، ومن ضمنها التحقق من توفر الماء والغذاء في المسارات التي تسلكها الطيور المهاجرة. أما في الدول الصناعية فهناك جماعات أهلية ضخمة مثل منظمات السلام الأخضر «Green Peace» التي تقوم بحملات واسعة جداً، لإجبار الحكومات والشركات على احترام التنوع البيئي، والمحافظة على الحيوانات والطيور، حتى في قلب المحيطات والغابات والصحارى.

مرادي من العرض السابق ليس التهوين من قيمة القصص المذكورة، بل إيضاح بعض وجوه التحول في ثقافة البشر، وتوقعاتهم وعلاقتهم مع حكامهم.

الذي تغير هو:

أ - أن الناس ما عادوا يعتبرون تلك الأعمال فضائل، بل واجبات على المجتمع ككل. ب - لم يعد مقبولاً إيكال القضايا العامة إلى الإرادات الشخصية للرئيس، بل بات مطلوباً أن تدار في إطار قانوني - مؤسسي، بحيث تجري كل يوم، ضمن منظور طويل المدى.

يعتقد ديفيد ميلر، عالم السياسة البريطاني المعاصر، أن هذا الاختلاف يشير إلى تحول في معنى الأخلاق والفضيلة بذاتها. أي أن كثيراً مما كان بالأمس فضيلة يمتدح القائم بها، تحول اليوم إلى واجب يلام الحاكم لو أغفله أو قصر فيه. وهو يضرب مثالاً بآداب النخبة في أوائل القرن التاسع عشر، كما صورتها الروائية الشهيرة جين أوستن.

قدمت أوستن صورة جميلة للنبلاء الذين تواضعوا قليلاً، وتعاملوا بإحسان مع فلاحيهم وخدمهم، وهو خلاف المتوقع في ذلك الزمان. لكنا نعلم أن تواضع الوجيه وحسن تعامله مع خدمه والعاملين عنده، لم يعد - في هذا الزمان - فضلاً منه يستوجب الإشادة، بل واجب يلام أو ربما يعاقب لو تركه.

ينعكس هذا التحول على العلاقات داخل المجتمع ككل. وعلى القانون والتشريع، فضلاً عن الأعراف والتقاليد. وهو حديث نعود إليه في وقت لاحق.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
بسام المسلمي
[ الأحساء ]: 4 / 7 / 2019م - 2:18 م
الواقع أن مثل تلك الأعمال قام ويقوم بها أفراد أيضاً حتى في وجود الدولة والحقوق المدنية، إما لتقصير من الدولة أو لتطوع من أولئك الأفراد رغبة في الخير والأجر. الإشكالية هنا هي أن كثير من المسلمين يأتي بمثل تلك القصص إشارة إلى عمق الإسلام في تربية أبنائه، وهنا يصطدم المسلم الذي انفتح على الحضارات الأخرى بأنها لا تخلو من مثل تلك القصص والمآثر لأفراد هم أبعد ما يكونون عن الإسلام، بل عن الأديان. ولا يختص هذا الأمر بالماضي السحيق، بل إن نظرة وقراءة سريعة لسيرة الأم تيريسا أو غاندي أو جيفارا حتى، تجد مثل تلك المآثر والفضائل- ولا أقول يزيد عليها - ماثلة أمامك مع أنهم أناس عاديون جدا. ولذلك، أرى من الضروري أن نغير من أساليبنا إذا أردنا أن نبرز ما عندنا أو نقنعهم بما لدينا. تحياتي
باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.