آخر تحديث: 19 / 7 / 2019م - 1:32 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التملق والتزلف ظاهرة مجتمعية ومرض العصر

سامي آل مرزوق

لا يختلف الكثيرين أن مجتمعاتنا المحلية ترزح تحت كم هائل من الأمراض الاجتماعية المختلفة، فكانت سبباً وجيهاً في تدني مستوى حالتها المرضية، وعائقاً مهماً في انطلاقها وتقدمها نحو الأفضل، فالأمراض الطبيعية يمكن معالجتها وإن تعددت مسمياتها وأنواعها، أما الأمراض المجتمعية، فهي تنزوي تحت شعارات وصور كثيرة، يصعب وصفها وعلاجها، ولا يمكن لأصحابها الاعتراف بها.

أن المجتمعات السليمة هي التي تدور في فلك الأفكار والمبادئ الصادقة الخيرة، بخلاف المجتمعات المريضة التي تدور في فلك الأشخاص من ذوي النفوذ، والتسابق للتقرب إليهم، وإطرائهم بالكلام المعسول والمديح لقضاء حاجاتهم بكل يسر وسهولة.

وهنا تبدأ الحكاية ”التملق والتزلف“ هما اشد وأخطر الأمراض الاجتماعية والأخلاقية المزمنة التي يصاب بها الكثيرين بمجتمعاتنا، فبهِ تُخرق المبادئ والقيم لأجل اللهث وراء المنفعة الذاتية، للوصول والحصول على المبتغى المراد الوصول إليه، فقد أصبح التملق والتزلف مبدأ الضعفاء للوصول، وبالتالي أصبح التملق والتزلف المذموم إنجازاً ونجاح، رغم أن المتملقين والمتزلفين لا يمتلكون كفاءة علمية أو اجتماعية واضحة ومقنعة، كالعزة والكرامة والتضحية، ناهيك عن بوادر التفوق الاجتماعي المتميز، فتجدهم باحثين عن مصالح ومطامع شخصية آنية، يرتقون من خلالها لطموحاتهم على حساب الآخرين من ذوي الكفاءات المجتمعية.

أن هذا المرض المستشري بالمجتمعات المحلية ناخرٌ بعظامها، وبصور مختلفة ومتعددة وغير خافية على أحد، وإن لم يُشير إليها بالبنان صراحةً، كالمطبلين والمنافقين وغيرهم، الذين طغت فئتهم بمجتمعاتنا، فأصبح كلاً يسعى لتحقيق أهدافه بأي طريقة حتى أصبح تملقهم وتزلفهم نظرية تُطبق، والذكي من يُديرها ويتقنها بالشكل الصحيح، فخلود الضمير للنوم العميق هو مدعاة للتمادي حيث لا رقيب ولا حسيب، وهو ليس مقتصراً على فئة محددة أو مهنة معينة أو شخص محدد.

أن الإدعاء بالسمات الحسنة في أشخاص، بما ليس فيهم للحصول على مكاسب دنيوية وقتيه، مهما كانت قيمتها، كأقصر الطرق للوصول للغايات، لا يمكن أن يكون أساساً لبناء الأوطان وتطور المجتمعات، كما أن أي تقصير بالمجتمعات مهما كانت أسبابه، ليس مدعاة للتخلي عن المبادئ والقيم بقلب الحقائق الجلية للأعيان، فالتزلف وتملق والمديح الزائف المبالغ فيه، للوصل للأهداف المادية والمعنوية يُعد من الأمراض المجتمعية الفتاكة.

إن تحقيق الغايات المنشودة، سيئة كانت أم حسنة، يعمل بها الكثير من الأفراد بالمجتمعات على إباحة استخدامها للوصول بالنهاية للمبتغى، فتجد الطالب يتملق أستاذه لتحسين علامته بالمواد الدراسية، وتجد الابن يتملق أبويه ليحقق ما يصبوا إليه، وتجد الموظف يتملق مديره للحصول على الترقيات والمكافئات والمميزات الوظيفية.

يرى الحاج إبراهيم وهو مدير قسم سابق لأحد الشركات الأهلية أن التملق من صفات الفاشلين بحياتهم العلمية والعملية على حدٍ سواء، فهم لا يستطيعون أن يحققوا القدر اليسير بقدراتهم الذاتية من طموحاتهم الشخصية إلا بالتملق والتزلف للآخرين فتجدهم يتذللون لرؤسائهم ويعملون على استلطافهم لينالهم نصيباً من المكافئات والترقيات، فقد تجد في الكثير من الشركات من لا دراية له وخبرة بسير العمل وطبيعته، إنما التملق والتزلف أوصله لهذا المنصب أو ذاك، رغم وجود أكفاء وأقران له ذو خبرة وباع طويل.

ويرى الأستاذ علي احد المنتمين لأحد الدوائر الحكومية أن ظاهرة التزلف متأصلة في جميع الأعمال حكومية كانت أم أهلية، والتزلف والتملق رافداَ مهماً للتوظيف والحصول على الحظوة والمكانة الوظيفية المرموقة، كما أنه يساهم في منع الكثير من المشاحنات والصدامات بين الموظفين وبين الموظف ورئيسه، ويرى أن خلو العلاقة الوظيفية بين الموظفين بالعمل من عنصر الاستلطاف ونوعاً ما من التملق، قد يضفي على العمل والعلاقات فيه نوعاً من الجفاف والرسمية الزائدة فتخيم الكئابة على الجميع وشعوراً سلبياً، قد يسبب مشكلات يصعب حلها، وهنا لا ضير في علاقات جيدة تتخللها نوعاً من المحاباة للموظفين والمدير ببعض الكلمات المنمقة أو إسداء بعض الأعمال والخدمات خارج العمل لتوطيد العلاقات بشكل أكبر مع الجميع.

يرى الشاب أحمد أحد المنتمين لأحد البنوك المحلية باستحالة ان تخلو الأعمال من ظاهرة التملق والتزلف لكون جميع الأعمال تقوم على اهداف واضحة وهي تحقيق المصالح الشخصية، فالصدقات نتصدق بها كنوع من أعمال الخير التي نهدف من خلالها رضى الله سبحانه وتعالى لدخول جنة الخلد، كما أن مهنة الطب لو لم تضمن مستوى مادي جيد لصحابها لما عمل بها أحد، فالطبيب يعالج الناس ليكسب من خلالها موارده المادية وتوفير لقمة عيشه بكرامة ورفاهية، فمشروع التملق هو إحدى الطرق التي من خلالها نهدف للوصول بها لمبتغانا، فهناك من المسؤولين من يتطلب التعامل معه بالتملق والتزلف ويقتات عليه، وإلا تعرضت للفصل من وظيفتي فالمجاملات الشخصية مع أمثال هؤلاء مطلوبة للمحافظة على الوظيفة.

أن غياب الموضوعية والنزاهة المهنية بالعمل وإحلال العلاقات المختلة كالتملق والتزلف للوصول للأغراض المصلحيه الشخصية والارتقاء الوظيفي والوصول لمناصب عليا وعلاقات مختلفة تؤمن مستوى وظيفي راقي سواء أكانت بدافع الخوف أو التسلط، آفة من الآفات الاجتماعية بمجتمعنا المعاصر وهي تقع على عاتق المديرين، بنبذهم هذه الظاهرة بالتواصل العفوي والشفاف مع مرؤوسيهم من دون تخويف أو ترغيب فالبيئة الصحية بالعمل مدعاة لعدم أتاحت الفرصة للمتملقين والمتزلفين لبلوغ مأربهم.