آخر تحديث: 19 / 7 / 2019م - 1:32 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حين يزدهر التعصب!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

في كتاب «سيكولوجية التعصب» لمؤلفه أندريه هاينال، وآخرين، من منشورات دار الساقي «1990»، نجد فصلاً بعنوان «ازدهار التعصب»، يتساءل فيه؛ من أين تأتي الحاجة إلى اعتقاد مطلق يُؤّذن باسمه للعدوانية وللأعمال المضادة لمُثُلِ الحضارة...؟! لماذا يبدو الأفراد مجدداً أقل قبولاً بالانتقال الضروري من القدرة الكلية الطفليّة إلى واقع محدود أكثر...؟ ثمّ يجيب؛ بأنه لاحظ أن «التعصب يمنح - أصحابه - الأمان المعرفي، وتوطيد النرجسية»، وهو لا يجد لذلك تفسيراً «إلا إذا أحطنا ‏باللحظة الثقافية للحضارة؛ اللحظة التي يزدّهرُ فيها التعصب...».

في السابق، كان الاعتقاد أن «الانعزالية» تؤدي للتعصب والتطرف، هكذا يخبرنا عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، في كتابه «مهزلة العقل البشري»، يقول: «كلما كان الإنسان أكثر انعزالاً كان أكثر تعصباً وأضيق ذهناً». لكننا وجدنا أن التعصب لازمة من لوازم الحضارة. يكشف باسكال بونيفاس دور الإعلام الحديث في إذكاء التعصب، في كتابه «المثقفون المزيفون» حيث تصدى لماكينة إعلامية وثقافية استخدمت أدوات الحداثة الغربية، والتقنية، ومبادئ الحرية والديمقراطية، كما استخدمت الثقافة ومنتجاتها لبثّ الرعب ضد الخصوم. شبيهة بما حدث منتصف القرن الماضي، حين استغل المتعصبون في الولايات المتحدة شعار «الوطنية» فأنتجوا حقبة «المكارثية» السوداء الظالمة، وعمدوا إلى مخالفيهم يقصفونهم بالتهم الشمولية، وعمموا ثقافة التخوين والتخويف ضد خصومهم الفكريين والسياسيين داخل البلاد، ما برحت تلك السياسة أن تحولت إلى سوط قمعي ضد المخالفين، كانت نتيجتها أن تحولت الولايات المتحدة إلى معقل للاستبداد الفكري والإرهاب الثقافي بدعوى محاربة الشيوعية.

قبل عشرات سنوات، اشتكى الصحافي السعودي المخضرم الراحل تركي السديري في تقرير نشرته هذه الصحيفة، من أن بعض ما يُنشر في المواقع الإلكترونية يساهم في «تدنيس البيئة البشرية التي نعيش فيها»، ««الشرق الأوسط» 14 مايو «أيار» 2009».

انتقد وقتها، ما أسماه «تحول الفضاء الإلكتروني إلى مساحة لبث الكراهية ضد فئات من المواطنين أو ضد مثقفين وشخصيات عامة»، وقال: «إن التلطي خلف شعار حرية التعبير والرأي، لن يجدي نفعاً، لأن هذه المواقع لا علاقة لها بموضوع الحرية، فما يبث هناك ليس سوى اعتداء».

كثيرون من أولئك الذين ينشرون الكراهية في الفضاء السيبراني مسكونون بهاجس مصلحي - أناني يسعى للنفعية على حساب الاستقرار. وهم يستغلون الشعارات النبيلة لحجب التوترات النفسيّة، أو المصالح الاجتماعيّة، أو الأفكار المسبقة التي يُراد لها العودة من جديد، «من خلال هذا النوع من الخصوم المتطرفين في الأفكار، والذين يغذون نزعات التفرد والتخندق على الذات وتحويل الخلاف السائغ إلى افتراق عن الملة والوطن».

«لم يبتكر العقل البشري مكيدة أبشع من مكيدة الحقّ والحقيقة»، كما يقول علي الوردي، الحقيقة التي يدعي وصلاً بها حتى «الظلمة الذين ملأوا صفحات التاريخ بمظالمهم التي تقشعّر لها الأبدان»، فما بالك بأولئك الكتبة الذين يتوسلون الصعود عبر إثارة النعرات وإطلاق الكراهيات وتبشيع خصومهم والتنكيل ببني جلدتهم وإخوانهم في الوطن.