آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 8:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

جذوة نار

عندما كان أبنائي صغاراً كنت أستغرب من كميةِ الأسئلةِ التي يسألونها! ما هذا وكيف يعمل؟ ولماذا؟ في بعضِ الأحيان كان يصيبني الإعياء من الإجابةِ عن الأسئلةِ الكثيرة والأسئلةِ التي لم تكن ذاتَ معنى أو لم يكن عندي جواباً لها. لا بد أنكم آباءً وأمهاتاً طافت بكم تلك التجاربُ والذكريات!

ما أدركته الآنَ أن تلك الأسئلة كانت تشبه الشرارةَ التي تحاول قدح زند الفكر والمعرفة وإشعالَ الرغبةِ في العلم. تلك الرغبة التي تظهر باكراً في حياة أبناءنا في السؤالِ والمشاهدة النظرية التي إما تشعلها البيئةُ فيهم أو تطفئها للأبد. لا يوجد المرء عالماً أو فطناً وإن كان من شيءٍ فهو يولد وفي داخله بذرة تنمو أو تموت.

ماذا عنا نحن الكبار، هل عرفنا كل شيءٍ ولا يجوز لنا أو نحتاج أن نسأل؟ المشكلة ليست في أننا كبرنا بقدر ما هي في الأسئلةِ التي كبرت وصار محظوراً أن يسكن بعضها في طاسةِ رأسنا، وأصبح الجوابُ عليها والنقاشُ فيها صعباً. نحن لم نشعر بالحرجِ والضيق عندما كنا صغاراً ولم ندرك ما يدور في خلد من نسأل، ولم نتحكم في البيئةِ والمجتمع، ولكن عندما كبرنا افترض الآخرونَ أننا نعرف الجواب ونحن بدورنا نشعر بالنقصِ عندما لا نعرف الإجابة، وكأننا مخلوقاتٌ فيها برمجياتٌ تجلب لها الحقائقَ مع مرورِ الزمن!

نحن الكبار أيضاً يجب أن تبقى فينا شعلةُ المعرفة، لكن الفارق بيننا وبين الصغار أننا نحن المسئولون عن قدحِ زند المعرفة وإشعال النار فيها وغربلتها، على خلاف الصغير الذي كان يأخذ الغثَّ والسمين وتلمع عيناه أنه عرف شيئاً لم يكن يعرفه.

حضرت درسَ علم الأرض عام 1983م وكان استاذنا ”كلارك“ خريج مدرسةٍ نظرية وتطبيقية، وكان يجلس في الصفِّ طالبٌ في الخمسيناتِ من عمره بينما كان الباقون في أوائلِ العشرينات. وكان الطالب قد ترك عمله من أجلِ الدراسة وكلما سأله الأستاذ سؤالاً استفاضَ في الإجابةِ ليقول له الأستاذ بعد أن ينتهي أن إجابته كانت خاطئةً تماماً، لكنه لم يشعر بالحرج ولم يضحك الناس منه!

أخبرني عن مجتمعٍ يسأل فيه الفردُ عما شاءَ دون حرج ويسعى للمعرفة مهما كبر، سوف أقول لك: إن هذا المجتمع لن يشيخ، إذ وإنْ كان بعض شيخوخة الفردِ في الجسم لكن شيخوخةَ المجتمعِ والأمة كلها في الفكر.

مستشار أعلى هندسة بترول