آخر تحديث: 18 / 10 / 2019م - 7:48 ص  بتوقيت مكة المكرمة

بين نظرة الاستصغار وقتل الطموح

أمين محمد الصفار *

سرد م. عبدالله ضيف الله في عدة تغريدات في تويتر قصة ملهمة لرئيسة بلدية مدينة Indore الهندية، التي نجحت بميزانية متواضعة في تغيير وجه وسمعة مدينتها من المدينة القذرة الي أنظف مدينة هندية لعدة سنوات وما زالت.

تلك القصة تعزز فكرة أن وجود الهدف الواضح والنظرة الواسعة هما خشبة الخلاص الأولى لأنتشال ونقل أي مدينة الي مستوى أرقى، والعكس صحيح أيضا، فأن نظرة الاستصغار للمدينة هي جرعة سم قاتلة لكل ما في المدينة من عنفوان وجمال وعناصر تميز. ذكرتني هذه القصة لرئيسة البلدية بقصة أخرى قالها لي أحد الأصدقاء، وهي أن أحد أبناء هذا الوطن العزيز وهو يدرس في المرحلة الثانوية في أمريكا عام 1990م تقريباً، تحدث في جمع من الأهل والأصدقاء عن طموحه في أن يصبح في المستقبل وزير خارجية بلده، فكانت ردات فعل الحضور العفوية ما بين السخرية من جانب، وبين التعاطف مع هذا الطموح وضرورة البحث عن طموح أخر أدنى منه وذلك لاستبعاد احتمال حدوث مثل هذا الطموح.

وجه الشبه بين القصتين هو أن هناك بعض ممن اساءت لهم الدنيا صاروا بتلقائيتهم العجيبة متوثبون لقتل أي طموح يتعدى نمطيتهم وما يسمح به مخيالهم الضحل، فأصبحوا ينظرون لأي طموح أعلى من سقف توقعاتهم هو ضربًا من الجنون أو نوعًا من المحرمات أو حتى العيوب التي تمس أو تحط من قدر ومكانة صاحبها. هي أذن النظرة الاستعلائية ضيقة الأفق تكون وبالًا أينما حلت سواء كانت موجهة للمكان والمدينة والبلد أو كانت موجهة للأفراد كبارا أو صغارا بلا فرق ومهما كانت هذه النظرة مغلفة بألوان وأشكال مختلفة فهي مُدَّمِرة فتاكة.

أن لنظرة الاستصغار للمدن آثار تدميرية كبيرة لا تقل عن أثار الكوارث الطبيعية التي تصيب المدن، فهي قادرة على أن تعيق مسيرة التنمية في المدينة وتحرمها من الطموح والرؤية للمستقبل بعين التفاؤل، كما أنها قادرة على جعل المدينة تبدو وتصبح من المدن ذوات الاحتياجات الخاصة، التي تحتاج إلى رافعة خاصة ترفعها لتصل لمستوى يمكنها من منافسة اخواتها من المدن الأخرى في النمو والتطور.

لعل نظرة الاستصغار للمدن هي أيضا سببًا لفقدان الأفراد الثقة بأنفسهم، فتجعل كل فرد ينظر للآخر بنفس تلك النظرة القاسية التي لا تسمح حتى للطموح أن يتمظهر وينمو بشكله الطبيعي، وكأن هناك فن تلقائي خاص يمارسه البعض لتجريم الطموح بين الأفراد، وكأن الأصل هو ألا يكون لدى الأفراد الطموح والأمل في هذه الحياة التي تحتاج دومًا لتعزيز آليات خلق الطموح وتنميتها.

قبل أكثر من 25 سنة، مررت بأرض خالية بكر لا حياة فيها، لكنها اليوم وبفضل النظرة الواسعة أصبحت مشروع عالمي ومشكاة للتنمية يقال له مشروع نيوم، فما بالك القطيف جنة الله في أرضه.

وبالعودة لما قاله م. ضيف الله عن نتائج جهود رئيسة بلدية أندور الهندية: ”قفزت المدينة في ترتيب النظافة من المرتبة 250 الى 25 في 2016، ثم اصبحت المدينة الأولى في عام 2017 و2018 وكذلك هذه السنة 2019. لقد اصبحت المدينة هي الأنظف على مستوى الهند وقد زار البلدية اكثر من 200 مسؤول من مدن هندية مختلفة لنقل التجربة الى بلدياتهم ومحاولة استنساخ هذا النجاح“.

أن دولة كالمملكة بحجمها القاري تحتاج إلى أبناء لديهم نظرة واسعة مفعمة بالتحدي، وطموح ”يلامس عنان السماء“ وشغف يناطح قمم الجبال ولا ترى في الصعاب إلا وسيلة مساعدة لبلوغ الهدف.