آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

نصر رياضي يعيد الاعتبار للعروبة

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

اعترفُ ابتداء، بأني لست من المغرمين بمتابعة أخبار المباريات الرياضية، بمختلف أنواعها، وما شاهدته في حياتي، عبر التلفاز، من مباريات كرة القدم، هو أقل من القليل. وفي هذه الأيام تحديداً، حيث يرتفع منسوب التوتر السياسي في منطقة الخليج العربي، مع ما يمكن أن يصاحب ذلك من نذر حرب، بين إيران والولايات المتحدة، ستطال شظاياها المنطقة، فإن ذلك لا يترك مساحة للتفاؤل، أو الفرح، أو الاهتمام بالشؤون الرياضية، خاصة أن هذا الأمر، لم يكن في الأساس مصدر اهتمام في حياتي.

الصدفة وحدها هي التي منحتني فرصة متابعة المباراة النهائية، في كأس الأمم الإفريقية، بين منتخب كرة القدم الجزائري والمنتخب السنغالي، على أرض الاستاد الدولي بالقاهرة. حضرت في أحد كازينوهات كورنيش النيل لتناول طعام العشاء، وقضاء بعض الوقت، على ضفة النهر الجميل. كان ذلك قبل انطلاق المباراة بين الفريقين، بأكثر من نصف ساعة. كان المكان مكتظاً بالجمهور الذي جاء لمتابعة المباراة النهائية، وأول ما لفت نظري هو الحضور المكثف للعلم الجزائري الذي يحمله الشابات والشباب المصريون اليافعون. وكان كل ما يحدث من حولي يحرض على المزيد من الانتظار، ومشاهدة المباراة حتى نهايتها.

حضرت في الحال صورة مغايرة، في ذاكرتي، صورة الصراع المفتعل بين الشعبين المصري والجزائري، قبيل فترة وجيزة من اندلاع الحركة الاحتجاجية بمصر في 25 يناير/ كانون الثاني عام 2011. حينها اتخذ الخلاف طابعاً قُطرياً مستفزاً، بين بلدين عربيين. وكتبت في حينه مقالة في هذه الصحيفة، ذكّرت فيه بدور مصر في استقلال الجزائر، وبدور الجزائر في دعم صمود مصر لإزالة آثار العدوان «الإسرائيلي» في يونيو/ حزيران عام 1967. وحملت المقالة عنوان «مصر والجزائر شعب واحد».

سلوك الشبان المصريين، الذي شهدته، لم يقتصر على مكان بعينه، بل عمّ، كما علمت لاحقاً، جميع المدن المصرية. لقد كان الانتصار للفريق الجزائري موقفاً عاماً لدى المصريين، في كل أرجاء مصر، مدنها، وبلداتها، وأريافها. وحين عزف النشيد الوطني الجزائري «قسماً بالدماء الزاكيات والدماء الطاهرات.. نحن أقسمنا بأن تحيا الجزائر»، تعالت الحناجر بالهتاف، وتكرر المشهد عندما سجل الفريق الجزائري في الدقيقة الثانية للمباراة هدفه الأول، والوحيد.

وإلى هذا الحد بدا الأمر تضامناً بين شعبين عربيين، ونصرة لفريق عربي على فريق غير عربي، حتى إن كان ينتمي للقارة السمراء. لكن الأمر تجاوز ذلك بكثير في حفل الختام، حين هتف الجميع لفلسطين، وعروبتها.

بدا بوضوح، ليس في الوعي العربي وحده، بل وفي منطقة اللاوعي، أن الانتصار للعروبة، وأن المشاعر الجياشة بين العرب، مع بعضهم بعضاً، هي نفسها التي تجعل من فلسطين قضيتهم المركزية. والعكس صحيح، فحين تتصدر المشاعر القطرية بلداننا العربية، يتراجع حضور فلسطين.

مقاربة ما جرى بين الشعبين المصري والجزائري، في أواخر عام 2009 وهذه الأيام، تؤكد من دون شك، أن المشاعر القُطرية، ليست أصيلة في تاريخنا العربي، وأنها مفتعلة. وأن الأصيل هو انتماء العرب إلى أمة واحدة، تجمعها جغرافيا، وتاريخ، ولغة، ومصالح، ومعاناة، مشتركة.

لاحقاً، تبين أن ما جرى في مصر، ليس ظاهرة خاصة، بل إن مشاعر الفرح بالانتصار الرياضي الجزائري، قد عمت معظم الأقطار العربية. على الحدود بين المغرب والجزائر، زحف المغاربة، رغم تراكم الجليد الذي صنعته السياسة، ليشاطروا أشقاءهم فرحهم. وفي المدن الفلسطينية، رغم قسوة الاحتلال، والمعاناة والحصار، تبارى الفلسطينيون في رام الله وغزة ونابلس للمشاركة من مواقعهم، في مهرجان الفرح الجزائري، الذي تحول إلى عرس عربي.

وفي المدن التونسية علا الهتاف والفرح بالنصر الجزائري، وحتى في المدن الليبية، رغم الجراحات والتشظي، عبر الليبيون عن فرحهم بانتصار الفريق الجزائري.

إن انتصار الجزائر هو إنجاز صغير، وربما متواضع حين يقاس بأمور وإنجازات أخرى، ولكنه كبير في المعاني وردود الفعل الشعبية العربية التي صاحبته. لقد كشف بجلاء أن الانتماء للأمة، هو انتماء أصيل، ومتجذر لدى الشعب العربي، من المحيط إلى الخليج.

ما أحوج القادة العرب، في لحظات التحدي المصيرية، والتهديدات التي تحيق بأمنهم الوطني والقومي، أن يعيدوا الاعتبار للعمل العربي المشترك. فهذا الرصيد الهائل من المشاعر الجياشة المشتركة، بين أبناء الشعب العربي، هو مكسب لا ينبغي أبداً التفريط فيه.

لقد ضعفت الكيانات العربية، بأسرها، حين طغت النزعات القُطرية، على العمل العربي المشترك. وخلال العقود المنصرمة، توسعت المطامع الإقليمية المجاورة على حساب مصالحنا، وأمننا الوطني والقومي. وكلما تراجع التنسيق والتكامل بين العرب، كلما لحق الوهن والضعف بأمننا الوطني، وتعرضت مصالحنا للخطر.

ما يجري الآن من تحديات وتهديد للأمن القومي، هو أمر خطير، مسؤولية التصدي له ليست فرض كفاية، بل هي مسؤولية العرب بالدرجة الأولى، فما حكّ جلدك مثل ظفرك، ولتبق منطقتنا، وخليجنا العربي بحيرة سلام بعيداً عن التدخلات الإقليمية، والدولية، وليكون ذلك مقدمة لتكامل الدور العربي، على الصعد السياسية والاقتصادية، بما يحقق عز العرب واستقلالهم وحريتهم، ولتكون هتافات الشعب العربي ومهرجانات الفرح، في نصر منتخب الجزائر، بوصلتنا للمستقبل الواعد.