آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 2:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

خطواتٌ فوق الماء

عاش صاحبي سبعينَ سنةً ونسيه الناسُ بعدها بأيام، وهكذا هي رحلةُ البشر تشبه المشيَ فوق الماء، لا نستطيع أن نمشي فوقه إلا أن يكون بارداً صقيعاً، ويزول الأثر حالما نرفع أقدامنا عنه. في كل هذا المشي ومحاولة ترك أثرٍ لنا نصطدم بالقدرِ مرةً وبالبشرِ مرات، هذا يصدنا وذاك يدفعنا، نسأل أنفسنا لماذا وبماذا جئنا وماذا سوف نأخذ معنا؟ هب أنك عشت سعيداً مائة سنة، فماذا بعد؟

في رحلةِ المشي نستأنس بالمسيرِ حيناً ونستوحشْ منه أحايين، وما يسلينا هو معرفة أننا نشبه الصناديقَ، كل صندوقٍ يغلق على سر. وعندما نظن أن أسرارنا هي التي تؤلم أكثر تحين نظرة نرى فيها صناديقَ البشر الأخرى وكم تختزن من المآسي والآلام ينبعث الأملُ من جديدٍ بأننا بخير، وبإمكان القدر أن يكون أقسى لو أراد!   قل لي من ذا الذي الذي لم يحزن على شيء؟ قل لي من ذا من البشرِ يملك كل شيء؟

ما يسلينا أنه ما من شيء أو حدثٍ يدوم، كل المناظر والفصول تتغير، فإذا كان المنظر بئيساً إما يتغير المشهد أو ينتهي الطريق. رحلةٌ الحقيقةُ فيها هي أن المخ الذي يكمن فيه العقل يموت بعد توقف القلب عن الحياة، وهذا يعني أن موتَ المشاعر والأحاسيس هو الموت الحقيقي، وليس موت الفكر. رحلةٌ ليس مكتوباً على الإنسانِ فيها الشقاء والتعاسة، بل هو ما اختار لنفسه ولغيره من الشقاء والتعاسة!

إن كنتَ تظن أن الدنيا لم تنصفك، ارتقِ اليومَ تلةً من التلال وانظر جهات الدنيا الأربع لترى أنك ”الشاكي“ ربما كنتَ أحسنَ حالاً من معظمها، عندئذٍ لا تنسى أن تنظرَ للسماء وتقول: شكراً لك يا رب. كنتُ أنظر الكأسَ مقلوبةً ولم أر ما فيها من الرحيق!

وضع ذو القرنين قدميهِ فوق الدنيا كلها ولما عرف أن الطريقَ اقترب من نهايته كتب لأمه كتاباً وأوصاها أن تصنع وليمةً عظيمة تدعو لها كل من تعرف من الناس. ولكن تطلب منهم ألاَّ يأكل منها من أصابه القدرُ بسهمٍ من سهامه، وعندما اجتمع الناس لم يأكل منهم أحد لأن القدر وترهم كلهم. قالت الأم بني وعظتني فاتعظتُ وعزيتنيْ فتعزيت...

مستشار أعلى هندسة بترول