آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 1:03 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الحج ُ ورحاب المعنى!

لا يزال الحجٌ يمثل أجزاء الجمال التسعة..! لا يزال الحجٌ يمثل وحدة الجمعُ، ووحدة القلب، ووحدة الذات بالذات العظمى، لا يزال الحجٌ وحده الذي يمثل الغنى بتمامه، والغنى كله، الغنى بالله وحده، ثم الغنى عن كل شيء غيره.

قصةُ فهم الحج في إدراك العقل والوعي والحس محدودة بعد «التجرد» و«القرب» فمن من لم يتجرد قلبه لربه من كل شيء، ومن لم يعرض قلبه عن كل شيء، ومن شعر أن مع الله قصد أو ميل أو رغبة أو إرادة.. فهو لن يقترب بالقرب الذي ينجي باطنه من الغرق.

حين نادى نوح أبنه..! أجاب الأبن أن - الجبل - عاصم من الماء، وملاذ لا يزول ولا ينجرف ويحار بين أطرافه الماء قبل أن يرتد عن علوه حسيرا..! وهو بكل تأكيد أقوى من خشب سفينة نوح المزدحمة بحسب ظاهر العقل.

في رواية الحقائق تختلف التفاصيل كليا أجاب نوح! بقاعدة وجودية كاملة شاملة دائما ننساها - إلى حين يذكرنا الحج بها - قال «لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم» وهكذا «وحال بينهما الموج فكان من المغرقين».

لا أحد يحميك ولا أحد يمنع عنك، ولا أحد يقيك إلا رحمة الله لك وقربك منها، وأن تتعرض لها دائما، وأن تكون جديرا بها، وأهلا لإستحقاقها..!.

ظاهر القوة - كل قوة - وهم!. حتى ولو كان جبلا رفيعا صلدا عنيا كما ظهر وتبدى لأبن نوح! أمام سفينة من خشب يابس..! قوة الثروة، وقوة السلطة، وقوة الجمال أو العلم.. وقوة كل قوة تنسبها لنفسك أو يخيل إليك أنها منك أو إليك أو ستقيك وتحميك أو أن تمنع عنك..! قبل أن يحول أجلك فتكن من المغرقين تاركا خلفك جبالا من وهم القوة والسلطة والمكانة.

الحج وحده هنا يرجعك لحقيقة نفسك، يرد إليك قلبك الشرود، يرجع إليك نفسك وقد لبست لباس يليق بفقرها، يليق بضعفها، يليق بوحدتها وأنفرادها بين يدي الله حين تقف بين يديه ليوفيها الحساب الأوفى..!.

لبيك اللهم لبيك..! ليست وحدها هذه الإستجابة وتسجيل الحضور لقلبك أمام ربك، ولكن بتجرد صاحبها من كل - حول - ومن كل «قوة» ومن كل «أنا» يميزها عن كل الهاربين حولها ومعها من الغرق..!! الغرق في الأنا، ورؤية النفس، والغفلة والإستعصام بغيره لأي سبب كان.. وبأي سبيل يُرجى..!.

تصر فريضة الحج على شيء أسمه «الفقر» الفقر الحقيقي في النفس، أمام الإستغناء الحقيقي «بالله وحده»، هكذا يكون التجرد بفصول الفريضة والعبد يطوي فقره عبرها، يطوي خطوات الطي بشيء - لم يعرفه - من قبل في فريضة أخرى شيء أسمه «الإحرام» وهو تجرد وهبة وعطية.

أما «التجرد» أعني تجرده من كل شيء من أجل ربه، وأما «إحرامه» فهو جعل نفسه «حراما» على كل أحد غير ربه.. حتى زوجته الساكنة في حنايا القلب والشعور..!

هنالك يتصاعد قلبه إلى حيث يرتفع الذكر والتهليل والتسبيح.. وتنساب نفسه إلى مسارب إجابة الله بالتلبية «لبيك عبد وأبن عبديك لبيك.. لبيك غفار الذنوب لبيك» تسقط كل رؤية لذاته في نفسه، هذا هو الآن عاريا بتمام العري الذي يستره كفنه فقيرا يفضحه فقره، ضعيفا تشي به رائحته وعجزه، حتى يصنع الله في نفسه «نفسا» به متصلة، وبه موقنة وإليه مسبحة بتول محبة طاهرة، راغبة فيه، زاهدة في كل شيء غيره..

هذه قصة الميلاد التي حدثنا النبي «صلوات الله وسلامه عليه» أن الحاج يعود كمن ولدته أمه..! قصة ميلاد نفس طافت لله مع من طاف، وسعت لرضاه وحده فيمن سعى، وأنكسر في داخلها كل أوهام القوة فيما أنكسر فتمت له ميلاد نفس من جديد

وللمقال تتمة فيما يمليه علينا الحج من جلال جميل.. وجمال جليل...