آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 11:55 م

الحب، الأصدقاء، الكتابة

محمد الحرز * صحيفة اليوم

الحب وقود الكتابة حين تريد أن تضع قطارك على سكة الذاهبين إلى أصدقائهم. الطريق متاهة كبرى، قد لا تصل، أو ربما تصل. لكن لا شيء عندك مضمون أن يبقى كما هو عليه الحال قبل الوصول، لا النظرة تبقى كما هي، ولا الأحاسيس المدفونة تحت ظلالها. شيء ما يمضي ويتدحرج من جسدك: ذكرى قديمة التصقت بجلدك وعند أول اهتزاز للقطار قفزت من النافذة ولم تعد، شيء يمضي خفيفا إلى غايته ولا يترك أثرا مهما اجتهدت في تتبع آثاره في تفاصيل حياتك الدقيقة.

لا تعود كما كنت أو تعود غير أنك لا تتذكر لحظة العودة وكأنك شبح لا يرى من فرط خفته وصفائه. والذين من حولك حين ينظرون إليك لا يجدون شيئا. لكنهم يسمعون صوت الموجة وهي ترتطم بصخور الشاطئ، صوت هادئ ينسحب ببطء حين تفرغ النظرات.

الوقود لا ينفد ولا الحب يختفي. هما يظلان البيت الذي تأوي إليه حين تضرب العاصفة، البيت الذي تحت سقفه لا تشعر بالأمان فقط، وإنما تعانقك رغبة الحياة وتلتصق بك كأنك المعشوق الذي عاد بعد غيبة طويلة.

يقال دائما.. على المرء أن يوفر العناء على نفسه حين يلازمه شغف الدخول إلى عالم الكتابة، عليه فقط أن ينتظر ما يقول له الحب من استشارة قد لا تأتيه بسهولة مطلقة، عليه أن يجعل أبوابه مشرعة دائما جهة الريح ولا يغلقها مهما كلفه الأمر من عنت، عليه أن يصغي للوردة الخارجة من شق في جدار بيته، عليه أن ينام كثيرا كيلا تنقطع أحلامه وتتدفق بشكل طبيعي، عليه ألا يتوقف عن الانتظار والتأمل والصبر عليه مهما وضعت الحياة في طريقه عقبات لا حصر لها.

عالم الكتابة المرتبط بالأصدقاء هو نفسه عالمك بلا تمايز، صلة الوصل الوحيدة التي تشبه الحبل السري عند الولادة هما يداك عندما تنزعهما وتضع بدلا عنهما شجرتين ناضجتين ومثمرتين، كنت سابقا ترعاهما في أحلامك منذ كانتا بذرتين في أرضك. وحين يضرب الجفاف في مواسمه المعتادة، فإن الأوراق لا تسقط ولا تفقد اخضرارها، بل على العكس تزداد اخضرارا وتألقا في نظر المحدقين. ما تخاف عليه حقا هو أعشاش الكلمات المتواجدة بكثرة على أغصانك. الخوف كل الخوف على صغارها من الافتراس أو أن تعود العاصفة من جديد وتقتلع العش والأغصان معا. الخوف كل الخوف أن ينتابك شعور بالحنين إلى يديك الطبيعيتين ثم تقطع الشجرتين من جذورهما، الخوف كل الخوف أن يختلط عليك الأمر فبدلا من أن تكتب كلمة «الصديق» وتنقشها على إحدى يديك، تكتب كلمة «العدو» بدلا عنها، وكأنك في اغماءة أو غيبوبة طويلة لا تشعر بوقع الحرف على يديك.

لكن الخوف سرعان ما يتحول إلى طمأنينة وثقة وإصرار عندما تجلب النهر إلى حقلك، عندما تشق مسارب له كي يتغلغل ويمضي إلى جذور تلك الكلمة قبل أن تكتب، كي تدعو الأصدقاء أن يغطسوا كلماتهم في قاع النهر ويجلبوا أنفاسهم من هناك. عندما ينظر النهر بعد أن يفرغ من مهمته ويقول لك: ما أجمل هذه الحياة المتروكة على الغصن! وتجيبه بلا تردد: إنهم الأصدقاء وقد تعلق كل واحد منهم بحرف من حروف اللغة وكأن كل طفل ممسك بيد أمه ولا يتركها على الإطلاق.

الحب، الكتابة، الأصدقاء، هذه ثلاث طرق في حياة الكثير من الناس، وجدت من الصعوبة بمكان التعبير عنها بمضامين مجردة من الإحساس بشاعرية اللغة، التعبير عنها بلغة الوعظ والمنطق مثلا، بل التشبيه والمجاز والاستعارة هي أقرب الطرق للتعبير عنها.