آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التحصين من بلاء هشاشة تجمع و مجتمع...!

أمير الصالح

لم يخلد في ذهن من سبقوه من الاطباء الاوربيين ان يكون مواطن الخليج العربي يشتكي من نقص فيتامين «د»، لوفرة اشعة الشمس على مدار السنة في تلكم المنطقة . احد الاطباء الباحثون في اسباب مرض هشاشة العظام لدى النساء في منطقة الخليج ، اكتشف صدفة بأن نسبة ليست بالقليلة من الرجال في ذات المنطقة الجغرافية مصابون بنقص حاد في فيتامين «د». و عليه تم اطلاق عدة دراسات وابحاث وتم لاحقا ضخ كمية كافية من الادوية ذات العلاقة والغاء الفرضيات السابقة لان السلوك اليومي لعدد ليس بالقليل من رجال تلكم المنطقة ادى لاحتجابهم عن التعرض للشمس في حياتهم اليومية .

الاصابة بالهشاشة من شي ما هو حال بعض من الناس ذوي الحساسية المفرطة او ذوي ردود الافعال غير معلومة النمطية نحو كلمات او افعال عادية و عفوية. اتذكر ان احد الاصدقاء دخل ذات يوم مطعم مكتظ بالزبائن في احد المدن العربية و قال بصوت مسموع موجه نحو النادل : «واحد بيض». الطريف بأن احد الزبائن كانت لديه حساسية مفرطة نحو كلمة «بيض» فما كان من ذلك الزبون المتحسس الا ان اتجه نحو الطاولة التي كان يشغرها صديقي و قال بصوت عال جدا و موجه لصديقي : «ماذا تقصد بالبيض ؛ هل تزدرء مني ». و اخذ يرعد بصوته و يدعو بالثبور على كل من يقول كلمة بيض ، ثم انطلق خارج المطعم و هو مستمر بالسخط على من يقول كلمة بيض . صُعق واستغرب جميع من كان في المطعم يومذاك. اخذ زميلي يلملم وضعه و يستجمع افكاره و قال للجرسون لطفا الغي الطلب الاول واجلب لي صحن عدس . فانبرئ رجل آخر ممن لديه تحسس من كلمة عدس وقال لصديقي : لطفا احترم نفسك ! ثم افل راجعا نحو طاولته. هنا احس صديقي بأن هناك شي غريب جدا وقد يكون ذو بُعد نفساني او تربوي او سلوكي غامض الاطوار في بعض الزبائن الذين تتواجدوا صدفة بالقرب من صديقي في ذلك اليوم .

لاحقا استوضح صديقي سبب ردة الفعل لذاك الزبون والزبون الاخر ، فاكتشف بأن الزبون المنفعل الاول يختزل قصة مفادها انه يتفاعل مع من يقول كلمة بيض سلبيا لكونها تذكره بحادثة وهم نفسه فيها انها ترمز لنبز من زملاء له بوصف وجهه بالبيضاوي الشكل وعاش في ذلك الوهم ابد الابدين ولم يتغلب على ذلك في نفسه . اما الزبون المنفعل الاخر فكان يكره وجبة العدس لان وجبة صحن العدس تذكره بايام أليمة عاشها في غرف مظلمة عندما كان محتجزا شبهة.

هذه القصص والحوادث و ما شابهها تنم عن تغييب الموضوعية في حياة بعض الافراد الذين ينتمون لمجتمعات او تجمعات . واضحى عدد ليس بالقليل من ابناء المجتمع هذا او ذاك حساس نحو فعل او كلمة عفوية ما تُقال هنا او هناك .

المخجل بأن الجميع يدعي الانفتاح والموضوعية وتنوع القراءات الا انه عدد ليس بالبسيط من الناس قد لا يتورع في تمزيق التجمعات و المجتمعات من اجل اشباع هواجسه او احساسه البالي بان خيالاته او توجساته الغير منطقية قد مُست بسبب سماعه لكلمة عفوية. و لو استمر انتشار التوجس المفرط داخل ذاك المجتمع او التجمع من كل كلمة عفوية تُقال و في ذات الوقت ازداد منسوب المطالبة بالتعاطف مع كل مدعي الحساسية لمشاعره دونما وجه حق ، فان الكل ستختفي عنه روح العفوية في الكلام او تناول اطراف الاحاديث ؛ و الكل سيخشى من الكل لعدم تحصين حدود الموضوعية و فصل العواطف و يكون حينذاك الصمت سيد المواقف في اي مجلس او ديوانية يتواجد فيها من يتلذذ في ان يثير غبار المشاكل و القلاقل بادعاء حساسيته من كلمة عفوية ما . و عند ذاك لن يبقى لاي تجمع او مجتمع يُداهن مُدعي او منتحلي او ذوي الحساسية المفرطة اي طعم او نكهة و لاختفيت روح المثاقفة و المنادمة في المجالس لان من اصيبوا بهشاشة الموضوعية سيصبحوا المدللون في كل مجلس . شخصيا علقت على قصة صديقي بالقول له : كن كما انت و لا تزور نفسك بيدك و حافظ على عفويتك و كرامتك و كرامة الاخرين و صن الاحترام لذاتك و لمن هم حولك ؛ لا تسمح ان تُسلب حياتك من محتواها و معانيها لمجرد ان تجامل هذا او ذاك ممن هم انانيون في الاحساس و يمتلكون قدرات بارعة في احداث انشقاقات و تصدعات داخل الجسم الاجتماعي الواحد او لديهم مشاكل في ذواتهم و تركيبتهم الفكرية و النفسية. اناشد كل عاقل سوي ان يبتعد عن اي شخص يسعى ان يفرض نفسه باساليب اقل مايقال عنها انها طفولية او مزاجية او سيكوباتيه او عدوانية مقنعة . من جهة اخرى من يصل لقناعة بان المحيطين به يناجزونه النبز والغمز و اللمز فمن حقه صيانة كرامته والمبادرة في الابتعاد عن ذلك المحيط الغير مستحق راحة لنفسه وصيانة لقيمته .

ولعل الاطباء يوفقون يوما ما في انتاج اقراص او امصال طبية مخصصة لمقاومة الحساسية من الحديث الموضوعي او الكلمات العفوية الصادقة او تخفيف حد المزاجية او اللمز و الغمز . فلعل تلكم الامصال اذا ما وجدت قد تزيد من مستوى المناعة من بلاء هشاشة العلاقات الاجتماعية .

وفي الوقت الراهن لابد للاغلبية من ابناء المجتمع تجاوز اصحاب الهشاشة الاجتماعية حتى يتعافوا مما هم فيه و يلتحقوا بالاخرين بعد استرداد عافيتهم وهم بكامل بشاشتهم و ايجابيتهم .

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
جواد المعراج
[ القطيف ]: 20 / 8 / 2019م - 7:06 م
شان سميت العنوان الحساسية المفرطة تجاه الآخرين أحلى.. ? عدل عجبني الموضوع