آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

شوية عنزات وكم شجرة!

ذكرني فلاحٌ من القلةِ الباقية التي تزرع الأرضَ في منطقتنا، يعتني بها ويأكل منها، بماذا يكفي الإنسان ليعيش. هذا الفلاح يزرع الأرض التي تعطيه بمقدارِ ما يعطيها من التعبِ وقطراتِ العرق التي يسقيها منها في فصل الصيف الحارق. أرضٌ لم يبق أحدٌ يذكرها أو يهتم بها، فلم يعد ما تنتجه ينافس ما يقدم من خارجها والذي تنتجه ماكينةُ الزراعة العالمية في أراضٍ أكثر خصوبةً وأغزر نتاجاً.

هذا الفلاح عنده عنزاتٌ تعيش في حظيرةٍ بين ظلالِ الأشجار تأكل التمر الذي تنتجه النخيلات ويدخر ما يزيد من التمر يعطيها إياه بعد خروج فصل الصيف. سألته كم يكفيكَ من الدنيا يا صاحبي؟ قال: تكفيني هذه العنزات وهذا الشجر. فعلاً! لو اقتصرت حاجاتُ الإنسان على الطعام وأساسيات الحياة لما احتجنا أكثر من هذا، ولكن ما تطلبه الحياة اليوم أكثر مما يستطيع معظم الناس أن يجدوه أو يقنعوا به. بين القناعة بهذه العنزات والقليل من الشجر يوجد الكثير اليوم ممن يشبه حمار «ة» القايلة، لا يرتاح ولا ينام، يعمل دون كللٍ أو ملل ولا يجد الوقت ليستمتع بما يكسب. تمر الأيام ولا يجد المتعة إلا في جمع المال!

هي قليلٌ من النخيلِ والشجيرات لما سألته إن كان يريد بيعها والراحةَ منها؟ قال: كيف أبيع أرضاً ورثتها من أبي الذي ورثها من جدي؟ هو يسميها ”الغوطة“، أرضٌ يجتمع فيها النبات والماء والرياض المرتفعة والفاكهة والرياحين، يزوره فيها كل صباح ومساء مجموعةٌ من الأصدقاء كبار السن يتصالحون يوماً ويتخاصمون أياماً، ولكن يجمعهم حب النظر إلى الشجيرات وشم رائحة حظيرة العنزات. لم يبق كثيرٌ منهم الذين يعتبرون بيع الأرض عارٌ وخطيئة!

ذكرني هذا الفلاح كيف عاش والدي بين البحر والشجر والعنزات التي نشتريها في الصيف ولا يخرج الصيف إلا بموتِ الكثير منها، لكن والدي لم يستطيع أن يستغني عن متعةِ وعناء العملِ في الأرض، متعةٌ لم يستطع تركها حتى تركته هي في أواخر سني حياته. يبدو أن الفلاح ينافس الشجرة على الأرض، الشجرة تمد جذورها سريعاً في الأرض لتمسكها الأرض، والفلاح يمسك ويتمسك بالأرض، صداقةٌ لن يعرفها إلا من يجربها!

مستشار أعلى هندسة بترول