آخر تحديث: 20 / 9 / 2019م - 9:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

«ما شاورناك»

رائدة السبع * صحيفة الرأي السعودي

هل مازال القمر يتبعك كما كنت تعتقد وأنت في سن السادسة وكما كان يعتقد الكثيرون؟ أم أننا كبرنا وفهمنا أننا لسّنا محور الكون؟ يبدأ النضج حين يدرك الإنسان هامشيته، أن يكون قادرًا على الاهتمام بشؤونه الخاصة ويتوقف عن التدخل في شؤون غيره.

المجتمعات الفاضلة والناجحة هي تلك المجتمعات التي تكرس طاقاتها لبناء ذاتها، وتتوقف عن إصدار الأحكام مع عدم فرض فكرة مركزية الذات وجلد الآخر المختلف، وأن أعظم مساهمة تقوم بها للمجتمع أن تدع الآخرين وشأنهم.

تقول صديقتي عن الحديث الشريف «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»: إن البعض يبحث عمّا لا يعنيه ويذهب له.

«الرواقيون» كانت لهم فلسفة عظيمة تلك التي نادى بها «أبكتاتوس» الفيلسوف اليوناني الذي عاش في القرن الثاني، وهي التعاليم الأخلاقية الموجودة في نظريته حول الواجبات التي يضعها في ثلاثة أصناف: واجبات نحو الذات وواجبات نحو الآخرين وواجبات نحو الله، فقد قال إننا مسؤولون عن بعض الأمور، ولكن هناك أمورًا لا نستطيع تحمل مسؤوليتها، الأولى تشمل حكمنا ودافعنا ورغبتنا ونفورنا «الكراهية» وملكاتنا العقلية، أما اللاحقة فتشمل الجسم والممتلكات المادية وسمعتنا ومكانتنا.

بالمختصر، أي أمر ليس في وسعنا السيطرة عليه، إذا كانت لديك الفكرة الصحيحة حول ما يقع على عاتقك، وما ليس كذلك فلن تخضع للقوى أو للمعيقات أمامك، ولن تلوم أحدًا أو تنتقده أبدًا وأي أمر ستقوم به سيكون عن طيب خاطر وبإرادتك.

وأُطلق على ذلك «وعد أبكتاتوس»، إذا ما استوعبت الأمور الواقعة ضمن إطار سيطرتك وخارجه وتصرفت بناء على ذلك، فسوف تصبح منيعًا نفسيًا ضد متقلبات الحياة.

التعاسة - من وجهة نظري - تكمن في أوقات الفراغ التي لا يعلم أصحابها ماذا هم صانعون بها، إذ تجعلهم يعكرون صفو حياة الآخرين، أيضًا هم لا يعلمون ماذا يريدون أكثر من معرفتهم ما يريدونه.

لهؤلاء أقول: من يعرف كثيرًا يغفر كثيرًا، يغفر لأنه لا يضيق ذرعا بوجهة نظر مختلفة، يغفر لأنه أكثر تواضعًا وأغزر علمًا، أما «الراديكالية» فهي تعويض عن النقص في المعرفة.

وإذا نظرنا إلى آخر النفق سنرى الضوء الذي يقول: مرحبًا بالحوار الذي يثري الفكرة ويحترم الرأي المختلف.

ولذلك الذي ما أن تضع فكرتك حتى يبدأ في الهجوم و«الشخصنة» نقول له كما قال الدكتور عبدالله القويز لأحدهم: «ما شاورناك».