آخر تحديث: 20 / 9 / 2019م - 9:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

تجاوز التفكير الطائفي!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

تحول حيدر الهميلي، ابن مدينة العوامية، إلى اسم حظي بشهرة، تتناقل مجموعات ”واتس أب“ عدة فيديوهات له، وهو يشرح لزوار المعرض الثاني لأجنحة إدارة الوقت الذي أقيم بمدينة جدة في يوليو الماضي، توزيع الغرف داخل سجن المباحث العامة بالدمام، مستعيناً بمجسم صنعه بنفسه لهذه المهمة.

الهميلي الذي يقضي حكماً قضائياً بالسجن، كان يتحدث بحماسة عن قدرة مجموعة كبيرة من الموقوفين من طوائف إسلامية مختلفة على تجاوز الفكر المذهبي، والعيش بسلام معاً، بل والاشتراك في إدارة أمورهم المعيشية، وصولاً إلى الصلاة سوية، جنباً إلى جنب، فتارة يكون الإمام من المسلمين الشيعة، وأخرى من المسلمين السنة، وتحديداً في يوم الجمعة.

ما رواه الهميلي، يعكس تبدلاً فكرياً لدى عدد من الموقوفين، وهو تحول حصل نتيجة وعي تراكم لديهم بأهمية احترام التعدد والاختلاف. وأن التنوع هو سنة بشرية كونية، لا يمكن إنكارها. فإما أن نعيش مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، نجتهد سوية في بناء دولة حديثة قوية، أو نتحول إلى كانتونات معزولة، متحاربة، تكفر بعضها بعضاً، وتقتتل وسط حروب عبثية دينية لا تنتهي!

بُعيد تفجير أبراج الخبر 1996، ألقي القبض على أحد القياديين السابقين في تنظيم ”القاعدة“، حيث تم توقيفه في السجن القديم للمباحث العامة بالدمام، وقضى جزءاً من محكوميته هناك، ومعه في ذات الغرفة عدد من الموقوفين من مدينة القطيف.. هذا القيادي كان يتصرف بشكل رسمي جداً، لا يخلو من تصلب مع زملائه، ولا يأكل معهم من ذات الصحن، بسبب مواقفه المذهبية، ورغم كونه يعيش معهم طوال يومه وفي مساحة محدودة، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يبقى على مواقفه المتشددة. وهذا ربما يفسر جزءاً من عقليته، وإيمانه العميق ب ”القاعدة“، وهو الذي قتل في مواجهة مسلحة بعد خروجه من السجن بسنوات، وهو يحاول الفرار إلى الخارج.

إن قدرة السجناء على تغيير التفكير النمطي أمر مهم، خصوصاً أن المفاهيم الحديثة حولت السجون من أماكن ”عقابية“ إلى بيئات ”إصلاحية“، تهدف إلى إعادة إدماج الموقوفين في الحياة العامة، وتهيئتهم لها بعد خروجهم، عبر العديد من البرامج السلوكية والتعليمية والمهنية.

رئيس جهاز ”أمن الدولة“ الأستاذ عبدالعزيز الهويريني، وأثناء لقائه حيدر الهميلي، قال له صراحة: إن السعوديين سواسية، جميعهم مسلمون، لا فرق بين سنة وشيعة. في رسالة واضحة من شخصية قيادية في الدولة على أن القضاء على التفكير المذهبي من أولويات جهازه، وأن خلق بيئة صحية غير طائفية، سواء داخل السجون أو خارجها، ليست مسألة ترفيه، أو خياراً ثانوياً، وإنما مسؤولية وطنية، وضرورة لترسيخ مبدأ ”المواطنة“، الذي هو أساس العدالة وبناء المجتمعات المتقدمة، وهو ما أكدته القيادة السياسية السعودية في أكثر من مناسبة.

مجابهة الطائفية تبدأ عبر تغيير الذهنية العامة التي أنتجتها، ومحاصرة خطابات الكراهية والتحريض، وتحصين المجتمع ثقافياً وتربوياً أولاً، وقانونياً ثانياً، لتكون الهوية الوطنية الجامعة هي الدائرة الرحبة التي يمارس فيها الجميع اختلافاتهم بكل احترام وتفهم.