آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

البعدُ السابع

هل لديكَ أخ؟

ليست كل الأسئلةِ منبعها الجهل، بل ربما الكثير منها مقصده حفر المعنى في أذهاننا! الأخُ هو ذلك الشخص المجهول الذي لا يعرفه إلا أنت ”الأخ“. هو شخصٌ تمرح وتلعب معه في الصغر، تشد هذا منه ويشد ذاك، لا يهم إن لبسَ أعزَّ ما تلبس لكن هو الذي تحاربه وتشكوه لأمكَ متى ما اقتربَ من لعبتك التي هي لك دونه. ما إن تشبانِ حتى يعرفَ كلَّ أسرارك، وتعرف كلَّ أسراره! من تحب ومن تكره، وماذا تريد أن تكون، والخطايا التي ارتكبتها في حضرته، تمشي معه كل مشوار الحياة، هو الوردُ وأنت الندى، هو الراحُ وأنت المُدام!

لو كانت الأبعادُ عشرة كان الأخ سبعةَ أبعادٍ منها، ولو كانت حروبُ الحياةِ عشرة كان الأخ سبعَ معاركَ فيها، ولو كانت أثقالُ الأرض عشرةَ أطنانٍ كان حمل الأخ سبعة أطنان منها، من يملك هذا كيف لا ينتصر؟ في الحروبِ الحديثة تخسر الدول عندما تُضرب عواصمها وتُداس أرضها بأحذيةِ الجنود الغازية، ويرفع محاربوهَا الأعلامَ البيضاء، كل شيء انتهى! ولكن في حروبِ العربِ القديمة كانت تنتهي المعارك عندما يسقط من يحمل رايةَ الحرب، وليس كل محاربٍ يستطيع أن يحملها. لذلك كان القائد الأعلى يختار الأشرسَ والأقدر والأصبرْ من المحاربين على حملِ رايةِ القتال.

الأخ هو من قالت فيه الخنساءُ الكثير، ولكنها لم تستطع إتمامَ الوصف، إذ من السهلِ أن يستطيع الإنسانُ وصفَ ما يحس ويرى، ولكنه لن يستطيع أن يصف ما لا يراه ولا يحسه مثل أحاسيس الأخِ لأخيه، إذاً، لا غرابةَ أن أعطى الحسينُ أكبر راياته في معركته الخالدة سنة 61 للهجرة في صحراءِ كربلاء لأخيهِ العباس الذي حمل الرايةَ حتى قُتل. من الجيد أنه لم توجد أدواتُ تصويرٍ حديثة تختزل لنا المشاعرَ في الصورةِ والصوت الذي جاءَ من أرضِ المعركة، وإلا لم يكن هناك مجالٌ للخيالِ والشعرِ والأدب والكلام الذي قيل أو لم يُقل! أي عينٍ أو آلة كانت تستطيع تصويرَ أحاسيس الحسين في لحظةِ اختفاء العلم الذي كان يحمله العباس؟ ألمٌ كان أقله أن ”انكسر ظهره وقلت حيلته“.

لن أتوقفَ كثيراً عند ما نظمه الناسُ من حباتِ خيالهم، ولكني أتوقف عند ما لم يستطيعوا أن يدركوهْ وينظموهْ من مشاعرَ إحساسٍ بإفلاتِ النصرِ المادي من يدِ القائدِ الأعلى في سقوطِ سبعة أبعادٍ وسبعة أركانٍ من القوةِ الرمزية التي كان يمتلكها. ولهذا ترك هذا السقوط الرمزي للخيالِ في الشعرِ والنثرِ والصورة أن يرتقي بعيداً، وأنى له أن يجمع كلَّ عناصر الألمِ والخسارة!

إن أردتَ أن تعرفَ كم كان الألم، أغمض عينيكَ واقتل أخاكَ من خيالك، سوف لن تستطيعَ رجلاكَ أن تحملَ ثقلك، سيجري الدمعُ من عينيك، لكن حذار أن تغلق عينيكَ طويلاً فتموت! هذا هو الأخ.

مستشار أعلى هندسة بترول