آخر تحديث: 18 / 9 / 2019م - 10:59 ص  بتوقيت مكة المكرمة

اليوم العالمي للطفل الرضيع

عبد الرزاق الكوي

أول جمعة من شهر محرم الحرام يحي اتباع اهل البيت اليوم العالمي للطفل الرضيع «عبدالله بن الامام الحسين»، وهو أصغر شهيد بين شهداء كربلاء المقدسة.

الطفولة البريئة تجسد أجمل معاني الحب، فالنظر الى الرضيع تزيل الهم وتدخل السرور على القلب، يكبر قليلا فيتبسم فيشعر من حوله بالسعادة، فالطفل صفحة بيضاء طاهرة، وهم زينة الحياة الدنيا وهم في قلوبنا واعيننا يمشون على الارض. وهي من اجمل مراحل حياتهم وحياة كل من حولهم. ولحياتنا بوجودهم طعما وجمالا خاص.

يعتبر ميلاد أول طفل في حياة الانسان من اسعد وأغلى ما في الحياة، فبمجرد ولادته تكرس كل الإمكانيات لسعادته وخدمته، نسهر على راحته، نمرض لمرضه، نتراقض له عند سقوطه مخافة أن يجرح، يتسابق الجميع في خدمته وحمايته، لا نستطيع فراقهم.

الأطفال أغلى ما نملك وخصوصا اذا كان رضيعا تضمه امه الى صدرها تعيش معه أمتع ساعات حياتها، تفقد هذا الرضيع في لحظة اجرام قليل ان تفقد عقلها. دون سابق إنذار يفارقون بعد ان امتلكوا كل شي فينا، أصبحنا نتنفسهم ووينبض قلبنا لوجودهم معنا. الم الفقد لا يعادله الم هو الروح بالنسبة لوالديه وخصوصا الأم الذي تنتظره ان يكبر أمامها يلعب ويضحك ويلهو ويدخل السعادة على قلبها.

ماذا نرى اليوم في عصر التطور وحقوق الانسان وقوانين حماية الطفولة، وحق الطفل أن يعيش حياة كريمة في ظل أسرته، فالإنسانية اليوم تنتهك بشكل عام والطفولة بشكل خاص، في ظل حروب عبثية في شتى أنحاء العالم ومنها الدول الاسلامية والعربية، فالأطفال هم الضحية الاولى في هذه الحروب اما قتلا، أو بقتل المعيل فيصبح هذا الطفل أسير اليتم والعالم المجهول في عالم بدون رحمة ولا إنسانية. فالحروب اليوم ليس في ساحات الحرب والجبهات، بل في زمن التكنولوجيا أصبحت الحرب في الأحياء الآمنة والتجمعات السكنية والأسواق ومراكز العبادة والمدارس.

فالحرب قتلا للطفل او إصابة جسدية تسبب له إعاقة او يتم وعذابات نفسية بسبب ما يشاهده من ويلات الحروب، يبقى يواجه الحياة بمفردة في ظل القساوة التي سلبت منه أبوه مصدر الأمان له. فاليوم بسبب التكنولوجيا المتطورة تنقل وسائل الاعلام على مدار الساعة ما تتعرض له الانسانية بشكل عام وذلك الطفل البرئ والجميل المحيا مضرج بدماءه، في حين ان من حقه ان يعيش أفضل ايام حياته.

حسب احصائيات سابقة لمنظمة الأمم المتحدة، هناك حوالي مليار طفل يعيشون في مناطق يتواجد فيها صراعات، ومنهم ما يقارب ال 300 مليون طفل حول الخامسة من العمر، هناك أكثر من 28,5 مليون طفل خارج المدارس. فالحروب تقتل وتيتم وتسبب الإعاقة والتشريد والهجرة للملايين على امتداد الكره الأرضية ومنها العالم الإسلامي والعربي.

فكثير من الأطفال المصابين بجروح وإعاقة ومن فقدو منازلهم وبدون اكل لا يحصلون على ابسط انواع الرعاية من قبل الهيئات الدولية والمؤسسات الخيرية بسبب صعوبة الوصول إليهم وعدم إمكانية توفير المساعدات لهذا العدد الكبير من الضحايا.

فالشوارع والظروف البالغة الصعوبة وعدم وجود المأوى فالملاجىء الغير إنسانية ملاذهم الوحيد مما يولد جيل يعاني من الأمراض النفسية، والحقد على المجتمع والعدوانية على من حوله، وهو ما يخطط له تجار الحروب ومروجي المخدرات وغسيل الأموال وأصحاب الفساد.

نعيش في عصر يجنب مثيروا الحروب ان يشاهد ابناءهم ويلات الحرب حتى لا تتأثر نفسيتهم بهذه المناظر المأساوية، ويغضون الطرف عن جرائم ليس ضد الانسانية بل ضد من لا ناقة له ولا جمل في هذه الحروب، امله ان يذهب الى مدرسته ويلعب مع اقرانه، وصدر حنون يضمه. بدل صوت صفارة المدرسة دوي المدافع بقصف همجي وبدل بهجة اللعب صواريخ تهز الأركان وبدل مشاهدت التلفاز يشاهد جثث القتلى من ابوه او اخوه او احد أقاربه او احد أصدقاءه.

أصبح امله ان يلاقي من يسعفه الى اقرب مستشفى جراء إصابته بقذيفة غادرة، او تبتلعه المحيطات هربا من ويلات الحروب، وإذا وصل بلاد الغربة عاش من ملجأ الى اخر الا القليل من منا الله تعالى عليه ولقى حياة كريمة بعد معاناة طويلة.

نكتب عن الطفل والطفولة لأن في قلوبنا غصص واووجاع من كربلاء، مصرع طفل رضيع اسمه عبدالله بن الامام الحسين عمره الشريف ستة أشهر، قضى حياته القصيرة في التنقل من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، وصولا إلى كربلاء المقدسة، أغمي عليه من شدة العطش لو بقي لساعات قلائل لمات عطشا، الحسين وحيدا بغير ناصر ولا معين بعد استشهاد اخوته وابناء اخوته وابناء عمومته واصحابه، لا يرتجي نصرا على ساحات القتال، شاهد الرضيع يوشك على الموت عطشا، قطرة من الماء تنقد حياته.

لكن إرادة الله جل وعلا ان يفضح خزي القوم والانحطاط الأخلاقي الذي وصل له المعسكر وليكون الرضيع شاهدا وشهيدا لكل ام ثكلى ولكل اب فقد رضيعة، فهذا رضيع الحسين تذبحه الزمرة الطاغية وينحرونه بسهم مثلث من الوريد إلى الوريد ليس حادث عرضي بل مع سبق الإصرار والترصد، لو تركوه لمات عطشا، لكن إرادة الله جل وعلا ان يثاب الامام ويحاسب الله جل وعلا القتلة، فهذا حرملة اخد جزاءه الدنيوي على يد المختار الثقفي رضوان الله عليه ويبقى جزاءه في الآخرة النار وبأس المصير.

قال الشاعر

لا ضير في قتل الرجال وإنما قتل الرضيع به الضمير يضام

طلب الحسين الماء ليسقى فإستقبلته من القوم.. سهام

جسد الجيش الأموي كل ما تعنيه كلمة الإجرام من معنى، من خسة ودناءة ووضاعه، فضحهم الله جل وعلا فإذا كان الرجال اهل القتال فما بال الأطفال والنساء، حتى وان كان كل ذلك انتقام من الامام علي حين قتل مجرميهم دفاعا عن الاسلام وبأمر من الرسول الأكرم صل الله عليه واله، او انتقام من صاحب الرسالة، لعبت هاشم بالملك، كل ذلك لا يبرر جرح طفل ليس تصويب سهم ثلاثي الشعب.

لكن هو الخلود الى سيد الشهداء بدء الدفاع عن دين جده بأبنه علي الأكبر وختمها بأعظم مصاب قتل الرضيع وهو بين يدي الامام وتخليدا للرضيع سمى الامام بأبي عبدالله، كرامة لهذا الرضيع البريء،

أن دم الرضيع لم يلامس الأرض حين استشهاده رفعه الامام مناديا ان كان هذا يرضيك فخد حتى ترضى، فقد جاء الامر من ابن سعد والمنفذ حرملة، لينال كل منهم الجائزة المنتظرة، في قتل ال الرسول وسبي نساءه اشرف ما على الارض، ارادها الحسين قدوة للأجيال قدم فيها الشيخ والشباب والطفل والأخوة والابناء والنساء.

فقد بلغ هذا الجيش من الجرأة ان لا يبقوا لذرية الرسول باقية، أرادوها دفنا دفنا،

لكل شهيد مناقبه بعد عمر طويل في الجهاد والمجاهدة وتكتب مآثرهم وبطولاتهم، وما قدموه في مسيرة حياتهم، الا الرضيع فقد علا بشهادته معانق بدمه الطاهر الذي رفعه الامام الى السماء، ليكون أول شهيد في عمر الستة اشهر على يد أردل خلق الله.

حمل دمه الطاهر الذي عانق السماء شكوى ما فعله القوم في حق سبط الرسول الأكرم، لله ذر الامام الحسين وهو يشاهد طفله يتعفر من حرارة السهم، وكأنه ينادي أباه لازلت عطشان. اسهم اللعين حرملة أوجعت قلوب اهل البيت، فسهم وقع في عين العباس ، وسهم قتل فيه غلاما اسمه عبدالله بن الحسن وسهم قتل فيه الرضيع وسهم في قلب الامام الحسين ،

وماذا عن خير النساء الرباب بفقد مصابها ورؤيته مذبوح من الوريد للوريد بدون دنب اقترفه، ما أعظمها من مصيبه تهد الجبال، لم تشبع منه، كانت حياته معاناة على أمل ان تعوضه مشقة الطريق ان يعيش له دخرا وتفرح فيه فأبت أيدي البغي، افجعها مصاب الطفل وأبيه، عاشت حياة الحزن التي لم تدم طويلا فلحقت بهم، كم لحقت فاطمه سريعا بأبيها؟ فهذا قدر اهل البيت ، ان يكونوا فداء للإسلام.

إذا ما دعوت الصبر بعدك والوفا أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر

فإن تقطعي منك الرجاء فإنه سيبقى عليك الحزن متى بقى الدهر

فقدت العقيلة زينب الرباب، فخرجت تبحث عنها فوجدتها بين الاجساد تبحث عن رضيعها، لم تشبع منه، ارادة ان تحتضنه وتودعه ان تخضب يداها من النحر المبارك. لو سمح الجلاوزه لها لما فارقت طفلها مودع له، منادية ابتعد عنك وانت الأقرب إلى قلبي، ستبقى في نظري وصوتك في أذني، ووعد لن يطول الفراق بيننا، سأبكيك حتى وقت اللقاء.

على مثلها من فجأة خانني الصبر فراق حبيب دون أوبته الحشر

ولي كبد مشطورة في يد الأسى فتحت الثرى شطر وفوق الثرى شطر

يقولون لي صبر فؤادك بعده فقلت لهم مالي فؤاد ولا صبر

ان حرقة قتل الرضيع أوجعت قلوب الأئمة ، فقد بقى الم في نفس الامام زين العابدين وهو يعيش ويشاهد مأساة أخيه الرضيع، فقد دعا الامام السجاد على حرملة، وقال: «اللهم أذقه حر الحديد اللهم أدقه النار»، فاستجاب الله جل وعلا لدعاء الامام، حيث قتل حرملة على يد المختار الثقفي، فقطعت يديه ورجليه ثم رمي في نار الدنيا قبل نار الآخرة.

ان احياء الذكرى السنوية لمظلومية عبدالله الرضيع احياء لكل أطفال العالم الذين يتساقطون ظلما وجورا على يد تجار الموت، وهو احياء لقيم السماء الذي حفظت دم الرضيع شاهد على الجريمة النكراء، انها ذكرى حماية البراءة المتمثلة في قتل ملايين من الأطفال،

في كل عام وفي صباح أول جمعه من شهر محرم الحرام يوم الرضيع نعيش ذكراه الحزينة التي تتجدد أمامنا في كل طفل يسقط ظلما، امام أنظار العالم الصامت.