آخر تحديث: 20 / 9 / 2019م - 9:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

سردية الإصلاح الديني «2»

محمد الحرز صحيفة اليوم

أنقوم بإصلاح ديني أم نستعمل الدين للإصلاح؟

هذا السؤال الجديد في صياغته ومضمونه الذي يستخلصه الباحث محمد الحداد، من سيرة مصلحي عصر القرن الثامن عشر أولا ثم القرن التاسع عشر ثانيا شكل لحظة تحول في تاريخ المسار الإصلاحي.

إن التفكير في إصلاح ديني يختلف اختلافا كبيرا عن استعمال الدين للإصلاح، فالأول من الأسئلة غير المفكر فيها على امتداد التاريخ الإسلامي، وذلك لسببين كما يؤكد الباحث الأول منها ما يتنافى مع العقيدة الإسلامية باعتبار الدين مكتمل الأركان بالوحي ولا يحتاج إلى إصلاح، بينما السبب الآخر يتصل بمنطقة الالتباس التي تقع في الأذهان بين الأمور التي تنتمي للشأن الديني وتلك التي تنتمي للشأن الدنيوي، وغالبا ما يتم التوسل بالديني في قضايا وأمور لا تتعلق سوى بالشأن الدنيوي. رغم أن التاريخ الإسلامي عرف نوعا من التمايز بين أمور الدين والدنيا، وقد كان في مقابل شرعية علماء الدين كان هناك بالمقابل شرعية علماء الأدب واللغة وكتاب السير والتاريخ سوى أن ذلك لم يفض إلى مسار العلمنة كما أفضت إليها الحضارة المسيحية الغربية.

لكن بدلا من التفكير في إصلاح الدين كان يطرح إحياء الدين وتجديده انطلاقا من التمسك بمنابعه الأولى بعد أن نسيه أهله.

لكن ما الذي تغير لاحقا حتى يستبدل الإحياء بالإصلاح؟

هنا يضع الباحث التجربة الإسلامية في سياق تلقي مسارات الحداثة من جهة ويقارنها بالتجربة الغربية في المسار ذاته من جهة أخرى. فإذا كانت الحداثة في الغرب عرفت انطلاقتها من اكتشاف فلكي وآخر جغرافي، من اكتشاف عدم مركزية الأرض، واكتشاف شعوب أخرى صنفت على أنها بدائية فإن انطلاقتها في المجال الإسلامي تجلت على صورة أزمة روحية وليست مادية كما في الغرب. فالعقيدة التي ترسخت في عقل المسلم طيلة قرون بتفوقه الديني على بقية الأديان لم يحقق له في نهاية المطاف التفوق الحضاري، وأصبح الشعور الإسلامي العام يعيش هذا التناقض الصارخ بين إيمانه الراسخ بصحة عقيدته وبطلان ما عداها وبين ضعفه وتخلفه عن الركب القوي والمتسلط للحضارية الغربية.

لذلك كيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟

يقرر الباحث أن الحل كان هو القبول بفكرة قد سرت سريان النار في الهشيم ألا وهي الاحتفاظ بالتفوق الروحي على الغرب وإعطاؤهم بالمقابل التفوق المادي. وانطلاقا من هذا الفصل بين ما هو روحي ومادي بدأت تتفتح في إسلام القرن التاسع عشر مسارات العلمنة. لكنه بدأ تفتحا بطيئا ولم تكن أسئلته سوى واقعة تحت تأثير هذا الفصل التعسفي من قبيل: هناك إسلام بدون مسلمين وهنا العكس؟ أو هذا نوع من الابتلاء الرباني للمسلمين وهكذا.

واقع الأمر لا يقف الباحث عند هذا المستوى من التحليل بل يستعير مفهوم «البرادايم» من «فلسفة العلوم» وبالتحديد من توماس كون في كتابه «بنية الثورات العلمية» وهو مفهوم استقر معناه - كما يشير الباحث نفسه - على «أنه تغير في أفق التفكير دون أن يكون بالضرورة تغيرا في العناصر المكونة للتفكير»

استعارة هذا المفهوم سمح له أن يفسر الانعطافة التي حدثت مع التفكير في أسئلة الإصلاح الديني فالتغير في الأفق أتاح الفرصة في طرح السؤال الذي صدرنا به المقالة. لكن في الماضي لم يكن متاحا طرح مثل هذه الأسئلة كما أشرنا إلى الأسباب السابقة.

لكن ماذا عن الشق الثاني من المفهوم، - فهل بعدما أصبح الدين موضع مساءلة وذلك على مشارف القرن الثامن والتاسع عشر، وأصبح أيضا في موضع المشكلة بدل أن يكون الحل - فهو يؤدي بالضرورة إلى عدم ذهاب الإصلاح إلى العمق في تغيير مكونات الأنساق الفكرية في الحياة العربية. وسنرى في مقال لاحق كيف يبرر الباحث فشل الإصلاح في الذهاب إلى العمق؟.