آخر تحديث: 20 / 9 / 2019م - 9:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإمارات: المسجد والمعبد والمأتم.. تاريخ من التعايش

حسن المصطفى * صحيفة إيلاف الإلكترونية

وسط مبنى تاريخي، يعود إلى العام 1840، بحي ”البحارنة“، في منطقة ”بردبي“، بدولة الإمارات العربية المتحدة، أقام المسلمون الشيعة، مراسم عاشوراء، في مأتم الحاج ناصر آل خميس. مستذكرين سيرة الإمام الحسين بن علي، حفيد نبي الإسلام محمد بن عبد الله.

​لم يكن مأتم الحاج ناصر هو المكان الوحيد في دبي الذي احتضن موسم عاشوراء، فهنالك العديد من الحسينيات التي تشرف عليها ”الأوقاف الجعفرية الخيرية“، ويقصدها المواطنون والمقيمون، لممارسة شعائرهم التي كفلها لهم القانون. فيما تساهم شرطة دبي في تنظيم السير وحركة المرور، وحفظ الأمن.

​دبي ليست استثناء، فالعاصمة أبو ظبي، والعين، والشارقة وسواها، هي الأخرى شهدت مجالس ”عزاء الحسين“، وفق السياسة التي تتبعها الحكومة الاتحادية، والمرتكزة على احترام المذاهب والأديان، وحق التعبد لكل فرد في الدولة، تحت سقف القانون.

تاريخ من التعايش

​ما يميز مأتم الحاج ناصر آل خميس، تاريخه الممتد لأكثر من 170 عاما، ووقوعه في منطقة تراثية، هي شاهد بمبانيها، وسكانها، وتاريخها، على عقود من التعايش السلمي بين الأديان والثقافات والجنسيات المختلفة.

​في بداية شارع الإمام علي بن أبي طالب، يقع ”ديوان الحاكم“، حيث كان الراحل الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، حاكم دبي، يدير شؤون الإمارة، ليخلفه في ذات المكان من بعده، ابنه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، والد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. وقرب الديوان هنالك ”متحف دبي“ حيث سيرة الآباء والأجداد، وبالقرب منهم مسجد بر دبي ”الكبير“، وخلفه مباشرة، على بضع أمتار قليلة، وفي الزقاق المحادي له، يقع معبدين لـ ”الهندوس“ و ”السيخ“، حيث تتوزع المحلات التجارية التي تبيع الورود والشموع واللوحات والتماثيل، التي يأخذها معهم المؤمنون إلى المعبد.

​مسجد ”بن مجرن“، على بعد خطوات من مأتم ”الشيخ“، وحسينية ”الكراشية“، ومأتم الحاج ناصر، المحاذي لـ ”مأتم علي بن حسن“، ومسجد الإمام علي بن أبي طالب!.

​هذا التنوع الذي يضم دور عبادة للمسلمين سنة وشيعة، والهندوس والسيخ، ليس ببنيانٍمصطنع، أو مشهد تم تشييده لظروف سياسية مؤقتة، بل واقع يعكس التنوع والتعايش الأهلي، الذي يعود لعشرات السنين، في مساحة جغرافية محدودة، ضمن أقل من كيلومتر مربع واحد. تتوزع حوله دور عبادة أخرى، لا يسع المجال لتفصيلها.

عشق الاتحاد

​متوشحا بعلم الإمارات، وبصوت جميل يرتفع بالولاء للاتحاد، وذكر مناقب الآباء المؤسسين زايد وراشد، لفت الملا محمد محمود، الانتباه، أثناء مسيرة الاتحاد في ديسمبر 2018، فراحت الكاميرات توثق مشاركة ”البحارنة“ احتفالات اليوم الوطني، ولتتناقل الشبكات الاجتماعية، أرجوزته، التي أتقنها إنشادا معنى!.

​الشاب الثلاثيني، ينتمي لأسرة عريقة في علاقتها بحكام الإمارات، فجده الدكتور محمد حبيب، كان من أوائل المتعلمين، وربطته علاقة وطيدة بالشيخ سعيد آل مكتوم، جعلته محل ثقته، وطبيبا يطمئن شيوخ الأسرة الحاكمة في دبي وأبو ظبي لتشخيصه ودوائه.

​هذا الولاء لكيان الدولة، وعلاقة الصدق والوفاء مع قيادتها السياسية، الذي تلمسه في كلمات القصائد التي ينشدها الملا محمد محمود، هو جزء مما تربى عليه جيل كامل من ”البحارنة“، الذين تحثهم تعاليم ”آل البيت“ على الولاء لوطنهم، وحسن السيرة، وإتقان العمل. وهذا مصداق قول الإمام جعفر الصادق ”كونوا زينا لنا، ولا تكونوا شينا علينا“.

​جنازة وطنية

​كانت جنازة وطنية، حمل النعش في مقدمها وزير التسامح الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وإلى جواره السيد إحسان الحكيم. لقطة التقطتها عدسات الصحافيين، أثناء تشييع جثمان الشاعر حبيب الصايغ، في العاصمة أبو ظبي، أغسطس الماضي. وهي الصورة التي تبعث برسائل واضحة، أن المواطنة هي الأساس، وأن الرموز الثقافية محل تقدير، يشارك في تكريمها رجال السياسة وعلماء الدين.

​الصايغ الذي نعاه حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد، وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، كان يحظى باحترام وسط الطبقة السياسية الحاكمة والنخبة المثقفة، بسبب مواقفه الثابتة في الدفاع عن الإمارات، والقضايا العربية التي آمن بها.

​ ”عرفته محبا ومخلصا لوطنه ومهنته، وسوف أشتاق إلى الصديق والأستاذ حبيب الصايغ. عظم الله أجر أسرته“. كتب مغردا وزير الخارجية الشيخ عبد الله بن زايد، وهو الشخصية المكلفة برئاسة ”اللجنة العليا لعام التسامح“.

​ترسيخ التسامح

​لم يكن اختيار عبد الله بن زايد، ليكون رئيسا لـ ”الجنة العليا لعام التسامح“، نابعامن فراغ. فوزير الخارجية الإماراتي شخصية مثقفة، قارئة، تؤمن بأهمية تعزيز العمل الدبلوماسي ونزع فتيل الأزمات، وتعزيز ثقافة قائمة على السلم ونبذ العنف.

​ ”منتدى السلم الأهلي“، ”مجلس حكماء المسلمين“.. وسواها، جميعها مبادرات تحظى باهتمام ودعم الشيخ عبد الله بن زايد، ومتابعته المباشرة، بغية إعادة صياغة الخطاب الديني بما يتوافق والقيم الإنسانية العليا، ويخفف عنه حمولات التراث والعنف والتطرف.

​الأنشطة التي نُظمت بمناسبة ”عام التسامح“، كان لـ ”الأوقاف الجعفرية الخيرية“ في دبي، نصيب منها. حيث أقامت ”ملتقى التسامح“ الثاني، في يونيو الماضي، تحت شعار ”كلنا متسامحون“، بمشاركة شخصيات إسلامية ومسيحية. وقدم رؤية تؤصل فيها لـ ”التسامح في فكر آل البيت“، من خلال ”رسالة الحقوق“ للإمام علي بن الحسين زين العابدين.

تجريم الكراهية

​هذه التعددية الدينية والثقافية، عملت الإمارات على حمايتها بقوة القانون، حيث أصدرت العام 2015 ”قانون مكافحة التمييز والطائفية“، الذي يحظر ”التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين، أو العقيدة، أو المذهب، أو الملة، أو الطائفة، أو العرق، أو اللون، أو الأصل“.

​وبالتوازي مع ذلك، عملت الجهات الحكومية على مواجهة خطابات التكفير والكراهية، وترسيخ ثقافة مجتمعية ودينية قائمة على الإيمان بالتعددية واحترام الآخر.

​تقنين الفتوى، والحد من تصدي غير المؤهلين لها، خطوة رئيسة، توازي في أهميتها قانون ”مكافحة التمييز“، لاستكمال البنية القانونية والفقهية والتشريعية. ولذا اعتمد مجلس الوزراء الإماراتي في يونيو 2018، التشكيل الجديد لـ ”مجلس الإمارات للافتاء الشرعي“، برئاسة الشيخ عبد الله بن بيه. وهو فقيه يتسم بالموسوعية، والعلم، وإعمال العقل، والإيمان بالاجتهاد. كما أن بن بيه من أشد المحاربين لخطابات التكفير والأصولية، ومن الداعمين الرئيسيين للحوار والتعايش بين المذاهب والأديان.

​وسط الحروب والنزاعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتنامي التنظيمات المتشددة، فإن الإمارات تسعى جاهدة لتقديم نموذج مختلف، مبني على الوعي بأهمية ترسيخ التعددية بين المكونات المختلفة، وصياغة خطاب منفتح تنويري، إنسانوي النزعة، قادر على بناء مجتمع معاصر يمارس حياته ويصنع مستقبله بسلام، دون الدخول في خضم الكراهيات الدينية القاتلة والدامية.