آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 6:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

الرأسماليون الجدد يسرقون الفلافل

أثير السادة *

قهوة جدي التي كان يحضرها لرفقة الصباح من شيبان الحي جرى سرقتها في وضح النهار، وباتت تقدم في أكواب ورقية مغطاة بقوالب بلاستيكية، في سوق تعادل القهوة بأسعار الذهب، وشاي الكرك الذي كان يلتذ به ذلك الهندي المهاجر في جلسة تكفيه أثقال اليوم تناهبته قوى السوق ليصبح مشروبا اوروستقراطيا، حتى إذا تمازج الحليب بالشاي سمعنا صرير الدراهم وهي تتدحرج له.. والفلافل الذي استأثر به الكادحون زمنا طويلا تحول مع رشاقة الجيوب الواسعة إلى سندويتشة ملكية يتراوح سعرها ما بين 7 إلى 11 ريال، أي أن حبة من الفلافل فيها تعادل قيمة سندويشتين من فلافل القديح الشهير.

هذا التسابق إلى سرقة مشروباتنا ومأكولاتنا الشعبية وتحويلها إلى بضاعة برجوازية يجعلني أبحث عن عصا ماركس لأهش بها على صناع التناقضات الطبقية، فالذين سرقوا الفلافل والقهوة والكرك من موائد الطبقة الكادحة سيحاصرون قوائم الطعام التي استأثروا بها، ولن يبقى للكادحين إلا سندويتشات البيض، وهي الأخرى قد دخلت منذ زمن في أطباق واسعة تجعل من سعر البيضة الواحدة يعادل دجاجة في مؤشر السوق!.

الذين شاهدتهم يقفون على كراسي الانتظار، بانتظار كرسي فارغ داخل مطعم الفلافل الفاخر، يعلمون جيدا بأنهم لن يجدوا خلطة تختلف عن خلطة الطبقة العمالية، لكنهم اختاروا أن يحملوا رغباتهم في الحفاظ على الوضع الاجتماعي ساعة تغدر بهم شهوة الطعم ويبحثون عن بدائل لمأكولات بلا ذاكرة!، لذلك تصبح حبات الحمص أو الفول المهروسة والمعجونة حين تقديمها تحت عنوان“فلافل سببشال”طبقا من أطباق السلطان!.

ليبقى الفلافل الرخيص من البوفيهات الصغيرة عنوانا للمأكل المليئ بالحس الانساني، تمتليء برائحته قبل أن تقبض عليه بيدك، حتى إذا خرج من الزيت المتطابخ أصبح يثير فيك كل ذكريات الحياة، وذكريات الجيب الرشيق الذي ما كان يوما خصيما لهذا المأكول الشعبي، وليحيا الفلافل صديق الصباحات، وصديق المحطات التي لم تزدحم فيها تسميات الطعام.