آخر تحديث: 21 / 10 / 2019م - 7:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

أهل الخليج كما كانوا ولن يتغيروا أبداً!

بسام المسلمي

”ومثلما اُستخدم علم الأنثروبولوجيا في خدمة التفوق الأوروبي لبسط تسلطه وثقافته وحضارته على العالم تحت مظلة معطيات الحداثة والتحديث، كذلك كان استخدام علم الجغرافيا للأهداف ذاتها، وعلى رأسها تبرير الحملات الاستعمارية وتجارة الرق من أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية وأمريكا الأنجلوسكسونية؛ فعلم جغرافية الإنسان والبيئة الذي صاغه الأوروبيون في القرن التاسع عشر اتكأ تماماً على «نظرية الحتمية» التي ترى أن البيئات المدارية الحارة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لا تستجيب لأساسيات النمو الاقتصادي والتطور الحضاري.“ حسن الياس محمد، رؤى جغرافية معاصرة حول الحداثة وما بعد الحداثة، عالم الفكر الكويتية، العدد 179 يوليو - سبتمبر 2019.

هل تشك في أننا - نحن - العرب، وربما بني الإنسان عموماً، لنا «حتمياتنا» التي نصنعها بأنفسنا ونلقيها على غيرنا لتبرير وتمرير ما نمارسه ضد ذلك «الغير» من تصنيف وتحييد وتفريق واضطهاد وظلم وتنكيل وغير ذلك؟

لن أعود إلى التاريخ كي أرصد بعض تلك الصور التي لوناها وصبغناها بنظرية الحتميات كي أثبت لك بأننا، أيضاً، تورطنا ومارسنا نظرياتنا الخاصة في الحتميات. بل سأشير إلى بعض ممارساتنا اليومية الحالية التي تصدر من الناس بمختلف توجهاتهم ومستوياتهم التعليمية وتباين طبقاتهم الاجتماعية. خذ مثلاً ما يراه الكثير من مواطني الدول العربية في مواطني دول الخليج العربيّ من قلة حظهم من العلم والثقافة وعدم جديتهم في التحصيل العلمي والآداء الوظيفي. ثم ما يلبث ذلك الرأي حتى يتحول إلى عقيدة راسخة وحتمية ملازمة للمواطن الخليج بشكل عام بحيث لا تتغير تلك العقيدة والحتمية في نفوس مواطني تلك الدول عن المواطن الخليجي إلا بمعجزة لا يستطيعها إلا الأنبياء. وبالمثل، فإن شعوب الخليج العربيّ ترى أن الشعوب العربية الأخرى تنظر إليهم نظرة دونية في المجالات العلمية والأكاديمية وأن تلك النظرة لا تحول ولا تزول أبداً مهما أظهرت لهم تلك الشعوب من احترام وتقدير.

ولعل الأمر تخطى ذلك كله ليصل الاعتقاد ب «الحتميات» ويّمارس فيما بين الشعوب الخليجية أنفسها وكذلك أيضاً بين الشعوب العربية أنفسها أيضاً. فتجد أن للسعوديّ صورة نمطية معينة في نفوس كل شعب خليجي على حدة، وتجد للسوريّ أيضاً صورة نمطية معينة ليس من السهولة اقتلاعها وازالتها أبداً، وهكذا. ولم يقف هذا الأمر عند هذا الحد، بل إنك تجد أن لكل بقعة من الدولة نفسها صورة نمطية لا تتغير في نفوس من يقطنون في بقعة أخرى من الدولة نفسها. كذلك، فإن لسكان القرى صورة نمطية في نفوس أهل المدن لا تتغير أبداً رغم أن الفوارق ما بين القرى والمدن أخذت في الزوال والتلاشي. ففي القرية الآن معظم ما يحتاجه الإنسان من المدينة من كل شيئ تقريباً مما يمحو الفوارق بين أهل القرية وأهل المدينة. فلا يكاد يخطر في بالك شئ مما يذوب الفوارق في التفكير والسلوك بين أهل القرية وأهل المدينة من وسائل إعلامية واجتماعية وثقافية وغيرها إلا وتجده ماثلاً أمامك في القرية وإن كان بنسبة أقل وأدنى قليلاً. ففي القرى، مثلاً، إنترنت وكمبيوترات وتلفزيونات ونساء تقود سيارات وتعمل في المحلات العامة. ولم تقتصر هذه النظرة التي تحولت إلى عقيدة وحتمية على الجماعات، وإنما قد انسحب هذا الأمر على الأفراد أيضاً. فلا تجد شخصاً إلا وله صورة نمطية في نفسك لا يمحوها حتى الموت والنسيان. فيظل ذلك الشخص رهين ذاكرتنا وما رسمته عنه في قالب ثابت ساكن لا يزحزحه شيئ أبداً.

الحقيقة أن لهذه الحتميات بعض المساوئ والسلبيات، ولن أتحدث هنا عن الإيجابيات إطلاقاً، فهي لا تجعلك، مثلاً، تتعامل مع الأمور والناس كما هم في الواقع اليوم. بل تقودك إلى أن تتعامل معهم كما هي صورتهم النمطية الماضية في ذاكرتك التي قلما قمت بتجديدها وتحديثها وتطويرها بحسب مقتضى ”آخر حالة“ وبحسب ”الوضع الحالي“. وهذا بالتالي يضلل تفكيرك ورؤيتك وبالتالي تعاملك مع ذلك الأمر وتلك الدولة وذلك الشخص. فالصورة النمطية عن منتجات الصين وكوريا لابد وأن تتغير إلى الأفضل والأحسن بعد أن طورت تلك الدولتان منتجاتهما وأثبتتا جدارتهما واستحقاقهما للدخول في المنافسات العالمية من أوسع أبوابها. وفي المقابل، فإن منتجات بعض الدول الرائدة في تلك المنتجات تخلفت كثيراً وأخفقت مع منافساتها من الدول المنتجة قديما والمنتجة حديثاً أيضاً. كل شيئ تغيَّر ولم يبقَ على حاله إلا صورنا النمطية وحتمياتنا عن الناس والأشياء.

ومن هنا، فلابد لنا أن نكون مرنين في تصنيف الأمور والأشياء والأفراد، بحيث تكون قابلية تغيير ذلك التصنيف وتغيير تلك العقائد والحتميات والصور النمطية ومحو ذاكرتنا القديمة واردة جداً، بل أن تكون هي الأساس في التعامل مع الأمور. وبغيرذلك فإننا سنتوه في تصنيفات بالية في ذاكرتنا التي تجمد وتحنط كل ما يأتيها من الأمور في لحظة معينة من الزمن لا تتجاوزها ولا تتعداها أبداً. وهذا ما يجعلنا في نهاية المطاف أن نتعامل ونتعاطى مع أشباح الماضي بدلاً من حقائق الحاضر.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
صلاح الدابس
[ القريات ]: 15 / 9 / 2019م - 9:10 م
دائما كما عرفتك مبدع بمقالاتك استاذي القدير بسام واصل التميز من متابعينك
2
سلام المبارك
15 / 9 / 2019م - 10:23 م
مقال جميل جدا
3
بسام المسلمي
[ الأحساء ]: 15 / 9 / 2019م - 10:31 م
لا أملك هنا إلا أن أشكر أستاذنا صلاح الدابس - أبو سليمان - الذي شجعني على الكتابة واحتضن مقالاتي البكر ،على ما فيها من خلل وضعف وربما أخطاء فادحة، في صحيفتهم الإلكترونية العزيزة " صحيفة خبر القريات". وصداقتي مع أبي سليمان تلجمني عن الاسترسال في الحديث، لأنها تجاوزت الحديث المكتوب إلى الحديث الصامت!
تحياتي أبو سليمان