آخر تحديث: 7 / 4 / 2020م - 12:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

تسعةُ صبيانٍ وصبيه

اليوم أقص لكم قصةً من جزيرةٍ صغيرةٍ في اندونيسيا ربما تُذكر الكثيرَ منكم بعنفوانِ الشباب وبعض المتاعب والمصاعب التي واجهتكم في الوصولِ إلى المدرسةِ في حرِّ الصيف وبرد الشتاء. بالطبع لم تكن معاناتكم تقرب من معاناةِ العشرة أطفال في الرواية الذين كانوا يقطعون عشراتِ الأميال في تقلباتِ الأرض والطقس يدفعهم فيها حبُّ العلم مع فقرهم وسوء حال عوائلهم التي كانت تحتاجهم في مساعدتهم في العمل. سمتهم معلمتهم ”لاسكار بلانجي“ أو عساكر قوس قزح، تشبيهاً لهم بألوان القوس الفائقة الجمال الذي كانوا يترقبون تشكله في الفضاء مع نزول المطر.

أرادت السلطةُ المحلية أن تغلق المدرسةَ الوحيدة في القرية التي وُصفت ”لو نطحهَا تيسٌ هائج لتهدّمت وانهارت“. لم تخضع المدرسة لأيةِ حراسةٍ لأنها لا تحتوي على ما يستحق السرقة، والشيء الوحيد الذي يدل على أنها مدرسة كانَ سارية العلم من الخيزران الأصفر. يضطر التلاميذ للتسلل إلى الأحراشِ عند تلبية نداء الطبيعة في بيت خلاءٍ خارجي إذا قصده التلاميذ فلابد أن يرافقهم المعلـّم لأن الأفاعي عادةً ما تندس فيه. كانت المدرسة تعجز أحياناً عن شراءِ الطباشير، وتضطر المعلمةُ الشابة ”بو مُس“ إلى استخدامِ الأرض كسبورة. طريق الوصول للمدرسة طويلةٌ وشاقة، وجزءٌ منه تكثر فيه التماسيح الكبيرة والخطيرة، وتكبر المعاناةُ عند هطول الأمطار في الطريق وفي المدرسة.

كان لزاماً على القرية أن تجمع عشرة طلاب لتبقى المدرسة مفتوحة، تجمع تسعة وكان الحصول على الطالب العاشر مثل اصطيادِ الريح في الشباك ولكنه جاء أخيراً. ساند العشرةَ معلمان اثنان فقط، وقفوا معهم وغرسوا فيهم البذرةَ الأولى لحب العلم وبثوا في عقولهم وقلوبهم أماني وأحلاماً كبيرةً تفوقوا بها على أقرانهم من المدارسِ الأخرى الأغنياء ونالوا الجوائز. حقق أغلب الأطفال التسعة والبنت الواحدة مع فقرهم وحرمانهم وبؤسهم آمالهم في الحياة، والبعض الآخر خذله فقرهُ وعادَ يعمل مثل أجداده صيادَ سمكٍ أو بائعاً جوالاً، ولكن شعلة العلم لم تخمد في أيٍّ من العشرة.

فخر العشرة بأنفسهم وأصروا على مواصلةِ تعليمهم رغم ما حاصرهم من تهديدٍ بهدم مدرستهم وإغلاقها لعدم استيفائها شروط المدارس في بقية البلاد، ولكن الآمال التي دفعتهم والإصرار الذي كبر فيهم حال دون ذلك فجاءوا كلَّ يومٍ بفقرهم وسوء حالهم الى مدرستهم يحملهم حب معلمتهم ذات الخمسةَ عشر ربيعاً واستاذهم ورغبتهم في التعلم. قصةٌ تخبرك مهما كنت فقيرًا فلن يمنعك ذلك من أن تحلم وتأمل وتحاول، وربما تنصفك الحياة أو تعود أحلامك لتتكسر مثل الأمواج على الشاطئ. تُضحكك الروايةُ أحياناً وتبكيكَ أحياناً وتعيدك إلى صداقاتِ الطفولة بكل ما فيها من براءةٍ وحب الآخرين في ظروف يخجل منها ترفنا وغنانا أن يمنعنا من السير على ذات الخطى ولو خطوات قليلة!

في قصة أندريا هيراتا في قريته الفقيرة البعيدة عن مدرسته ”المدرسة المحمدية“ التي ضمت العشرة طلاب مع معلمتهم الصغيرة الشابة ومديرها المكافح كان هو بطل الرواية، الذي سافر للدراسة والعمل في الخارج، عاهد نفسه أن يكتبَ لمعلمته المكافحة والملهمة ويهدي لها كتابًا لما تجشمت من عناءٍ في سبيل تعليمهم، فكتب قصة كفاح العشرة طلاب عام 2005م وفاءً بعهده فهي كانت بحق تستحق ذلك.

أعادتني القصةُ إلى أيامٍ كنا نمشي لا نسأل كم تبعد المدرسة، بالطبعِ مشياً ومعاناةً كانت أقلَّ صعوبةً بكثير من العشرة لكننا كنا مصرين على أن ننسى الفقرَ والمعاناة ونحضر الدرس، وفعلاً تحققت آمالُ الكثيرين والقلة عادوا من حيث أتوا. أسأل نفسي كل يوم: ما عذر من لا يتعلم في وقتٍ لم تعد الحاجةُ ملحةً لأساسيات الحياة من أكلٍ وملابس وكتاب كما كانت من قبل؟ اسألوا آباءكم وأمهاتكم وكلَّ فقير في العالم كم كان يتمنى أن يكون له ما عندكم...

مستشار أعلى هندسة بترول