آخر تحديث: 21 / 10 / 2019م - 4:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

سردية الإصلاح الديني «3»

محمد الحرز صحيفة اليوم

لقد اعتبر الباحث محمد الحداد التأويل في نطاق المعرفة الإسلامية التي تشكلت تاريخيا تحت ما نسميه الثقافة الإسلامية نوعا من الإصلاح، على اعتبار أن التأويل أداة تعويضية، بسبب انقطاع الوحي، تسعف المفسرين والفقهاء للبت في القضايا التي تستجد في الحياة اليومية للمسلم، فالاستنباط الفقهي على سبيل المثال أتاح لهؤلاء الشروع في الاجتهاد كما أتاح التأويل كذلك للمتصوفة من خلال مفهومهم عن الولاية تجديد رؤيتهم للعالم.

وقس على ذلك بقية التيارات والفرق التي برزت على خارطة التاريخ في العالم الإسلامي، فالكل بدأ يتكئ على آلة التأويل بعد انقضاء عصر الوحي، رغم التباين الشديد في حجم استخدام هذه الآلة والاعتماد عليها بين الفرق. لكن في النهاية أصبحت تؤدي الدور ونقيضه: تجديد المعرفة الإسلامية من جهة، وتوسيع رقعة الصراع على الأفكار فيما بينها من جهة أخرى.

والسؤال هنا: إذا كانت فكرة الإصلاح كما يؤكد الباحث متضمنة في التأويل، وإن هذا الأخير هو القلب النابض للنظام القديم في الثقافة الإسلامية فإن فكرة الإصلاح على مشارف القرن التاسع عشر بدت وكأنها - بعد صدمة الحداثة - تسير في أفق يختلف عن سابق عهده لكن عناصره المكونة لتفكيره لم تتغير؟

وهكذا النتيجة التي يصل إليها الباحث تطابق المفهوم الذي وضع تعريفا له تحت مصطلح «برادايم الإصلاح».

لكن عندما نسأل الباحث عن سبب بقاء عناصر التفكير كما هي رغم دخول فكرة الإصلاح في أفق جديد، فإنه يشير إلى أن الحركات الإصلاحية اصطدمت بعوائق منعت من تجديد عناصر تفكيره.

فمنذ بدايات القرن الثامن عشر تجلى موقفان وامتدا إلى القرن التاسع عشر، يسمي محمد الحداد الموقف الأول بالورعي والموقف الآخر بالحركي وهما موقفان تولدا بعد صدمة الحداثة.

فالأول يندرج تحت ظاهرة انتشار الطرق الصوفية في جميع أنحاء المجتمع العربي، وهي تتوسل طهارة النفس والترفع عن الشأن الدنيوي في سبيل التقرب إلى الآخرة، والنتيجة هي «بينما كانت فلسفة الأنوار تتقدم في أوروبا، فإن العالم الإسلامي كان يعيش تطور الطرق والزوايا الصوفية».

أما الموقف الآخر فهو انتشار ظاهرة الوعاظ الذين عاشوا على هامش المؤسسة الدينية، وكانت ثقافتهم الدينية بسيطة. لكنهم أخذوا على عاتقهم مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نظرا لتردي أحوال المجتمع على طول خارطة العالم الإسلامي، ونشأ بذلك، كما يقول الباحث، إسلام هامشي في المناطق البعيدة عن المراكز حيث بدأ يتحرك ضد الدين المؤسسي ويعارضه.

لكنه لم يصل في حركته المعارضة إلى حركة تنويرية كما في أوروبا عند لوثر وكالفن على سبيل المثال، إذ أغلبها بسبب اختلاف المسارات والآفاق التحديثية التي قطعها المجتمع الأوروبي بخلاف المجتمع العربي.

وفي مسار تاريخ الإصلاح ذاته يعطي الباحث أمثلة كثيرة على المحطات التي وصل إليها على أيدي بعض المصلحين. لكنه يضع نموذجين منهما، الأول هم المصلحون الذين تبنوا مشاريع الإصلاح التي طرحتها الدول، كما هو حال رفاعة الطهطاوي في مصر محمد علي باشا، أو خير الدين التونسي في أيام محمد باي، ثم لحقه بعد ذلك بالنموذج الآخر في الإصلاح وهي لحظة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأديب إسحاق وغيرهم، وهؤلاء يتميزون عن سابقيهم بأنهم لم يرتبطوا بنظام إصلاحي يخص الدولة. وبأنهم لم يكونوا من خريجي أوروبا، ولم يكونوا من طبقة برجوازية، والأهم أن هذه اللحظة أنوجد فيها المثقف المرتبط بنشوء الصحافة والطباعة.

يبدو لي أن مفهوم الإصلاح الذي يطرحه الباحث ويتبناه هنا يفرز جملة من التساؤلات الاعتراضية، على الرغم من أنه في نهاية بحثه يفتح أفقا للدراسات الدينية المقارنة، بإعادة موضعة دراسة الإصلاح ضمن ثلاث مجموعات من القضايا الموضوعية والثقافية والتجريدية. لكن بسط هذه التساؤلات يحتاج منا وقفة أخرى مع مقال آخر.