آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

عودةُ الأيام

ترتخي السنواتُ وتتجدد فيها الذكريات من تشابهِ الأيام التي هي ليست إلا أوعيةً تحفظ ما نضع فيها، ما نقول ونفعل، فتعود أو لا تعود. الآن تعود بي الأيام إلى ”كمار“ ذلك الشاب من بلادِ الهند الذي أمثاله أصبحوا قادةَ كبار الشركاتِ الرائدة في الغرب ودول العالم. اسمٌ يتندر به من عنده فائضٌ من الوقتِ يقضيهِ في الطريق والتبضع مرغماً أو راغباً وفي كثيرٍ من الأحيانِ مرغماً أكثر منها راغباً، حيث تشرفتُ وارتقيتُ بعد سنواتٍ إلى رتبةِ نائب أو خليفة كمار.

ما كتبته ليس مدعاةً للتواضعِ أو قتلِ الطموح، بل هو دعوةٌ للتكيفِ مع الواقعِ الذي سوف تمليه عليك عودةُ الأيام وتسقيكَ من كأسِ راحها حيث لا يهم ما كنت تعمل أو تملك من منصبٍ عالٍ أو فكر، هي مرحلةٌ لابد أن تتشرفَ بالوصولِ إليها إن طالَ بك العمر وخرجتَ من سوقِ العملِ إلى سوقِ الخضار والملابس وسوق أدواتِ الخردة.

بعدما تركتُ العمل الرسمي وارتقيتُ إلى منصبِ نائب كمار الذي لم يعد الناسُ بحاجةٍ إلى خدماته، أصبح الكثيرُ من أصحابِ المحلاتِ القريبة مني في بلدتي الصغيرة يعرفوني، أزورهم مرةً أو مرتين كلَّ اليوم، واحدةً لي وثانيةً وأكثر نيابةً عن رئيسي، الذي يطلب مني الذهاب متى ما شاء. خليفةُ كمار هي وظيفةٌ يطمح لها كثيرون ممن هم على رأسِ العمل اليوم قبل أن تحرمهم الأيامُ منها ولا يجدونَ وظيفةً أخرى.

ما يسليني عن حزنِ هذه المغامرةِ الجديدة أنه كلما أذهب للتبضع أرى ”كماراً“ أو ”كمارين“ من أصدقائي نتحدث ونحن وقوف عن تحدياتِ الوظيفة الجديدة وسلَّم الرقي فيها والمهمات التي تنتظرنا وميزات الأكل الوافر، وكم بقي من المدةِ قبل التقاعد والخلاص منها. وفي نهايةِ شكوى الحال نرضى بواقعنا إذ شيىء في اليدِ يملأها أفضل بكثيرٍ من أن تكونَ اليدُ فارغة!

كانت أمي رحمها الله عندما تريد أن تقنعني وأخوتي أن أمراً ما فيه الخير وإن بدا عكس ذلك تتمثل القولَ المشهور: ”أحسن الدواء في أخسِّ الشجر“، فهذه الوظيفة اعطتني ما لم يعطني غيرها من فرصة المشاهدة والنظر عن قربٍ في بعض الاجتماعيات التي تستدعيني للتفكر فيها وفي عمومِ الحياة، فلا تزهد في هذه الوظيفة متى ما جادت بها عليك الدنيا فهي لن تتأتى للجيلِ القادم وسوف يتحسر على غيابها.

يقال إن أردتَ أن تعرفَ مصاعبَ ومتاعب إنسانٍ في الحياة سِرْ في حذائهِ ميلاً واحداً، فها أنا ذا يا صديقي ”كُمار“ مشيتُ في حذائكَ أميالاً وفراسخ، وبكل تأكيد عرفتُ مشاعركَ وأحاسيسكَ كلها حتى صرت الآن أستجديك أن تتعرفَ أنتَ على مشاعري وأحاسيسي...

مستشار أعلى هندسة بترول