آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 6:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

ليس هناك غيري!!

ورد عن أمير المؤمنين : إعجاب المرء بنفسه دليل ضعف عقله» «الكافي ج 1 ص 27».

ما أضعف هذا الإنسان في بدنه فيؤرقه أصغر الأشياء، وكذلك نفسه تصاب بالوهن استجابة لأي هتاف قلق وتخوف، وأما عقله فيصاب بالخفة وتغلفه غشاوة التفكير الضحل لأجل أي نعمة يتحصل عليها وتسره، ومن تلك الآفات العقلية هي الإعجاب بالنفس واستشعار العظمة والتميز لأنه يتمتع بنسبة من الذكاء أو الوجاهة أو المال، فيضربه الغرور وانتفاخ الذات والتكبر الخاوي فيؤثر ذلك على نظرته الواهمة لنفسه، ومن جهة أخرى يستصغر من حوله ويحتقر قدراتهم وينظر لهم ويخاطبهم بنظرة دونية لشخصياتهم، وهذا التعالي لا يأتي لصاحبه إلا بالخيبة والنتائج الكارثية من جهته ومن جهة علاقاته بالغير، فمن جهته يعيش هذا الخواء والوهم فيتخلى عن كل ما يكسبه التقدم والاقتدار لشعوره بأنه لا يحتاج لأحد، ونقاط ضعفه وأخطائه لا يعترف بوجودها أصلا ويمنعه برجه العاجي من رؤيتها، ولذا لا يتحرك خطوة لمعالجتها وتصحيحها، كما أن علاقته بالآخرين تصاب بالهرم والشيخوخة فما يميزها هو الاضطراب والنفرة منه، فمن ذا الذي يحب أن يصاحب إنسانا ينظر له باستصغار ولا يحترم شخصيته ولا رأيه ولا وجوده أصلا، إذ ما يكسب احترام الناس ويجذب قلوبهم ويحظى بينهم بالمقبولية هي روح التسامح والتواضع وتقدير شخصياتهم، وأما إعجابه بنفسه يسقطه من أعينهم ولا يرون فيه إلا مسكينا أجرى سكين ضعفه على نفسه!!

ومظاهر الأبهة والتعالي الخاوية ما هي إلا إفرازات لغروره ورؤيته لنفسه كشيء نادر في الوجود، فشيء من العلم أو المال يدعوه إلى استصغار الناس وتكرار إهانتهم كلما التقى بهم وتحاور معهم، ومن الصعب عليه - إن لم يكن مستحيلا - أن يقبل بالحق والصواب إن تبين له ذلك ووجهه أحدهم لمورد خطأه أو اشتباهه، وذلك لأنه يرى التصويب والنقد الموضوعي من الغير إهانة شخصية له وتضعيفا لمكانته فلا يقبل مطلقا أي تصور أو فكرة مغايرة لما يطرحه، وهذا بالطبع يدخله في موجة خلافات ومشاحنات على مستوى محيطه الأسري والاجتماعي.

ويحاول المعجب بنفسه في كل موقف إلفات نظر الآخرين إلى قدراته الخارقة وما يمتلكه من مواهب خاصة، فيحب تسليط الأضواء الإعلامية عليه وكأن قطب الرحى في العالم يدور على توجهاته، ويتشوق لاستماع كيل المديح والثناء المستمر على مهاراته، والحقيقة أنه يعاني من ضعف نفسي يتمثل في عدم ثقته بنفسه، فيحاول أن يكتسبها من خلال انهيال المجاملات ونفخ روح التعالي عنده بمديحه!

والإعجاب بالنفس لون من ألوان الرضا عنها بنحو سلبي، فيرى المرء نفسه قد بلغ أعلى الدرجات فلا شيء بعده أو فوقه، وهذا ناشيء من فساد وضعف تفكيره الذي أعماه عن المنعم عليه سبحانه بهذه النعم أولا، وثانيا يغفل عن وجود أمثال ونظائر له بل ومن يتفوقون عليه ويتقدمون عليه في مظاهر الاستطالة والقوة والعظمة، وأنى له والبصيرة الواضحة وهو يتحفز ويهاجم من يخالفه، بل ويعمل بكل قوة من أجل تشويه صورة الغير للحفاظ على ألقه المميز، فهو لا يعترف أصلا بوجود الآخرين فكيف يمكنه أن يصغي ويستمع لما يطرحونه.

إن ما يمنع المرء عن الإعجاب بنفسه لمجرد أنه يمتلك ثروة أو شهادة علمية أو امتلاكه لموهبة الكتابة النثرية أو البحوث العلمية، هو الإيمان بالله تعالى وشكره الدائم على ما منحه من مواهب، فهذا يدعوه للتواضع والبساطة في التعامل مع من حوله واحترام وجودهم، فتلك الروح الإيجابية التي يمتلكها تشع وتبرز في ابتسامته وكلماته اللطيفة، وسعيه لنسج علاقات وازنة ومستقرة وفاعلة مع الغير، فهذه العلاقة التفاعلية تكسبه محبة وثقة الآخرين وتدر عليه شيئا من المكتسبات، فمن مقومات الذكاء هو العقل الجمعي بكون المرء جزءا وعنصرا من مجموعة تفكر وتعمل بشكل جماعي.