آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

أجنحةُ ملاك

هل تذكر عندما كان أبوك يدخل من باب الدار كنتَ تفرد يديك مثل جناحي ملاكٍ تطير بهما على كتفيه المرتفعتين، إلى أي سماءٍ سوف يرفعك، السادسة أم السابعة؟ تلاحقه عيناك أينما ذهب تبكي فزعاً إن خرجَ دون أن تكون في صحبته؟

بعد أن يُثقل حملُ السنواتِ ظهورنا تعود الأسئلةُ وتزدحم دفعةً واحدة، لا وقتَ للمفرق بل هو وقتُ الجملة، كيف ولماذا ومتى؟ أسئلةٌ لها أولٌ وليس لها آخر، من أطرفهَا تلك التي تسأل عن الذكرياتِ من الأفعالِ والأقوالِ والأماكن وغيرها من أوعيةِ الزمن التي كان بإمكاننا أن نخطها في صحائفِ حياة أبنائنا، ومن ثمَّ يزرع أبناؤنا الهناء في حقولنا الجرداء، ولكننا لا نحن فعلنا وبالتالي لا هم فعلوا.

حينما يكبر كلٌّ منا لن يهتم إنْ تذكر أنَّ والديه لم يستطيعا أن يحضرا له أغلى وأثمنَ اللعب، لن يقف طويلاً عند بعضِ الليالي التي نامَ فيها ولم ينم بطنه من الصراخِ لأنه لم يكن هناك ما يؤكل، لكنه دون شكٍّ سوف يقف كثيراً عند لماذا لم يقل لي أبي أو أمي شيئاً؟ لماذا لم يقضيا معي زمناً أكتبُ عنه وأقصه عنهما لأولادي وأحفادي، لماذا لم يُخبراني كيف عاشَا وكيف عرفا بعضهما؟ وهكذا سيل الأسئلة الجارف لا يهدأ.

من أجملِ الذكريات التي نذكرها كأنها البارحة أو يومَ أمس لكنها بعيدة هي تلك الدقائق والساعات التي مشينا مع أمنا وأبينا نحو الفصولِ الأولى من المدارس ونحو الملاعب والحقول وبيت الجد وفي السفر، كلها ليست ظروف أماكن وأزمنة ولكنها جداول وسواقٍ تملأها ذكرياتُ اللحظاتِ التي لا تستطيع مياهُ العالم أن تمحوها وتذهب عطرها ولا تستطيع قرونُ السنين أن تميتها.

حتى لا نأسى على تلك اللحظات ويخرج زمانها من أيدينا، لنكتب في وريقاتِ كتب صغارنا كلمات وصوراً ينقلونها لمن بعدهم كما نقل لنا من قبلنا. لحظاتٌ يُسعد أحدنَا بها الآخر ونحن في طرفي نقيضٍ من العمر، كلنا نتشبث بقشاتِ السعادةِ والراحة في الحياة. بعد أيامٍ تنقشع حرارةُ الصيفِ ويحلو فيها صوتُ أمواجِ البحرِ عند الشطآن ونغمات ذراتِ الرمل في الصحاري، كلها أماكن وأزمنة تدعونا لنخرج نحوَ الحرية وكتابةَ الذكريات، فهلا أجبنا دعوتها جميعاً مع صغارنا ونصوغ لهم من الذكرى ما لا ينمحي من قلوبهم وعقولهم!

مستشار أعلى هندسة بترول