آخر تحديث: 21 / 10 / 2019م - 4:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

تأملات في الوطن والإنسان

محمد الحرز صحيفة اليوم

يُفترض في هذه المقالة أن أستكمل الحديث حول موضوع سردية الإصلاح الديني.. لكن الاحتفال بالوطن في مناسبة تأسيسه التاسعة والثمانين على يد المغفور له ”بإذن الله“ الملك عبدالعزيز ”يرحمه الله“ أهم وأولى.

الوطن انتماء، وحب يتجذّر في النفوس، الوطن بيت يكبر كلما كبرت، وينظر بعينيك كلما نظرت إليه، ترابه رائحتك التي تتغلغل إلى آخر نقطة في مسامات جسدك، زواياه مكان آمن لذكريات طفولتك، نوافذه تستمد منها معابر الضوء والحلم.. لا يفارقك ولا تفارقه، حاملًا ومحمولًا في نفس الوقت، أيان التفتّ، وفي أي جهة سلكتَ في دروب الحياة فهو يزاحم كتفيكَ، يأخذ حيزًا من الهواء الذي تتنفسه، وقد يسطو على ما تبقى من أنفاسك في الغربة.. الوطن جذع نخلة مائل يمشي في حديقة طفولتك، مثلما يمشي الطفل مبهورًا بطراوة العشب، الوطن جغرافيا الروح قبل أن يصبح حدودًا وأراضي وأنهارًا وأودية ومدنًا، وبالقدر الذي تتوغل في متاهات الروح فأنت تتوغل في تيهِ الوطن؛ لتكون الوطن ذاته.

الوطن ابتكار لفكرة الآخر الذي نحبه ولا نستطيع أن نجسّده في شيء نلمسه أو نشمّه أو نراه بأعيننا الشاخصة، ابتكار لما هو أسمى القِيَم التي ترتبط بالحياة، ابتكار لما هو طبيعي في وجدان الإنسان، ابتكار للحب المنتمي إلى كل شيء مفارق للوجود، ولولاه لافتقر الإنسان إلى ذلك النبع الذي تتدفق منه كل المعاني الجميلة التي نصادفها في الحياة، والتي عادة تعطي لحياتك معنى، سواءً أدركت ذلك أم لم تُدركه.

ربما الاحتفالات الكرنفالية هي بطريقة ما استرجاع ما كنا قد نسيناه عن ذكريات الوطن منذ الطفولة، استرجاع فكرة الحنين من عمق التاريخ، استرجاع المكان من الحكايات التي جرت على ألسنة آبائك وأجدادك، ولا شيء يعدِل هذا الاسترجاع سوى الاندفاع بالحماسة ذاتها سوى وطن متجدّد في الأذهان، كما هو متجدّد في الواقع.

العالم يحتفي بأوطانه سنويًا، ولا غرابة في ذلك، بل هو يوسّع أفق خياله في مسألة الاحتفاء؛ لأن اكتشاف الوطن أو ابتكاره لا فرق، من أكبر اللفتات الذكية التي أوجدها الإنسان في حياته.. وحين أحتفي بوطني معناه أنني أظهر إنسانيتي في الوسط الذي أعيش فيه، معناه أنني أصنع هوية أخرى تتعالى على كل الهويات الأخرى الضيقة، معناه أن أفهم اللحظة التي أعيش فيها في العالم، ووفق هذا الفهم أضع نفسي فيه، معناه أن أكون صالحًا للاستعمال في كل ما يمتّ إلى الخير العام بصلة.

والأهم هو أن أكون إنسانًا سويًا وليس متوحشًا، فالإنسان داخل الوطن ليس هو خارجه، وهذا يعني بالدرجة الأولى أن الوطن التزام ومسؤولية ورغبة وطموح ومستقبل وأحلام وإرادة، وهذا موطن الإنسانية، وخط أفقه ومساره، بينما الخارج منه لا تعنيه مثل هذه الأمور.

قد يكون معنى الخروج هنا خروجًا رمزيًا بالدرجة الأولى، أي موضع الوطن في علاقته بالحياة والمجتمع موضع الهامش؛ مما يُضفي على حياته سمة التوحش.

الوطن شيء آخر، روابطه وثيقة الصلة بكينونة الإنسان، بتاريخه، بتربيته، بعاداته وتقاليده، بأرضه، بقيَمه الموروثة، بطريقة حبه وطريقة كُرهه، بينما الدولة هي الوعاء الحافظ على كل هذه السمات، هي وحدها القادرة على تأمين الحماية والسلامة لها، وأخذها إلى آفاق المستقبل.. وهذا ما تحقق لمملكتنا الحبيبة في يومها الوطني ال89، رغم أغلب الصعاب التي تواجهها في الفترة الراهنة من أعداء لا يريدون الخير لهذا الشعب العظيم وولاته المتميّزين.