آخر تحديث: 7 / 4 / 2020م - 12:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

ورقٌ معتق

لا شيءَ يبقى كما هو تحتَ الشمس! يعتاد الناسُ أشياءَ ويعشقونها، أكلٌ وشربٌ ولباسٌ ومركب، ثم يأتي زمانٌ يميل ذوقُ الإنسانِ عما اعتاد. يصارع الذوقُ القديمُ من أجلِ البقاء في أيدي وعقولِ قلةٍ من البشر تعلقوا به، ثم حتى هولاء القلة ينفضونَ أيديهم منه ويتركونه لقدره. هل تذكرونَ رائحةَ الجريدة اليومية والكتابَ والورق؟ لا يهم ما فيها لكن رائحتها زكية، ولا ننسى بقايا الحبر الذي يعلق في أيدينا! أين ذاك الشعور اليوم في تغير ذوق الشباب الذي لا يعرف الورق، ولم يعتد منه شيئاً حتى أوراقَ النقد لم يعد يلمسها، بل يرى عددها وصورها في حسابه المصرفي.

الله! كم كان يوماً جميلاً اليومَ الذي توزع فيه المدرسةُ الكتابَ الجديد، كان أجمل الكتبِ كتاب المطالعة والمحفوظات الذي نتصفحه ونقرأه قبل أن تبدأَ السنة، قصصٌ وأدبٌ وأشعار وقلمُ رصاص يدون ما قال المدرس في الصفِّ على أطرافِ الصفحات نطويها لنعود إليها متى ما احتجتنا، وسريعاً ترتعش أيدينا عندما نقلبُ كتابَ الهندسة والحساب، ترعبنا معادلاتُ وقيم السينِ والصاد! هل تذكرونَ ريش جناح النعام الذي تضعونه في منتصفِ الكتاب ميتاً منتوفاً، ثم يكبر ذلك الريش، كلَّ يومٍ يزداد ريشةً يكاد يطير بالكتاب.

الآن في كلِّ يومٍ تختفي صحيفةٌ ورقية ورفوفُ الصحفِ أضحت خاليةً في المكتباتِ والمتاجر، لا يلمسها أحدٌ كأنها مريض ينقل العدوى. لابد أن صراعَ الذوق بين الورق والجهاز مال جانبَ الجهاز الذي رفع مستوى القراءة في السنواتِ الأخيرة، مع انتشارِ الكتب الإلكترونية الذي سهل وصولها لكل من لم يعتد أن يقرأ من الورقِ ولم يعرف متعةَ الذهاب إلى المكتبةِ وجمعَ القروش المعدنية والريالات وشراء الكتب.

ينشأ اليوم جيلٌ من الشبابِ والمراهقين وأمامه الكثير من العناوين التي تجذبه للقراءة، جيلٌ لم يقرأ كتبَ وروايات المنفلوطي ونجيب محفوظ وفيكتور هيجو وغيرها من كتبِ الورق منبطحاً على مخدةٍ فوق السرير، لكنه جيلٌ يستطيع أن يحملَ الكتابَ والروايةَ ويقرأ في رحلةِ الطائرة وقاعاتِ الإنتظار وفي وقتِ الغداء في العمل.

أصبح الكتاب الورقي يتيماً ماتت أمه ”المكتبة“ التي كانت تعيش في كثيرٍ من زوايا المدنِ والحارات وتبنته الأجهزةُ الإلكترونية دون تكلفةٍ لمن يريد أن يقرأه، هكذا يتغير كل شيءٍ في الحياة ومنها الكتاب والورق، صراعٌ فازت فيه تقريباً الرقاقةُ الإلكترونية التي تحمل آلافَ العناوين على حسابِ الرفِّ الخشبي وما اعتاد عليه من وُلد في الخمسيناتِ والستينات من القرنِ الماضي!

إن كنتَ رأيتَ صبياناً يمشونَ يستذكرون دروسهم تحتَ ظلالِ الأشجارِ وبين بساتين النخلِ والتين في كتبٍ من الورق يضعونها جانباً قبيل غروب الشمس من أجل اللعبِ والمرح والمزاح قبل أن يعودوا لبيوتهم، فأغلب الظنِّ أنك وُلدت في الستينات أو قبلها من القرن الماضي. الآن كبر ذلك الجيل وحلَّ الجمادُ مكان الشجر واختفت كتبُ الورق!!

مستشار أعلى هندسة بترول