آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

إرثُ والدي

مرَّ شطرٌ من الليلِ أيقظني فيه محاولةُ فحص ما تركَ لي والدي من ذكراه، وقبيلَ الفجرِ جاءت لحظةُ إشراق نور ذاكرةٍ من العالم غير المحسوس إلى ذهني أدركتُ حينها أن والدي تركَ لي كلَّ ما كان يملك من صفاتٍ جسدية ونفسية، حتى وكأنني في الستين نسخة متأصلة من أبي مطلوبٌ مني أن أودعها عند ولدي. تركَ لي والدي إرثاً من الفكرِ والعاطفة والمعتقد من النادرِ أقلب صفحات ذلك الفكر والمعتقد وأقرأ فيه سلباً أو إيجاباً، وأكاد أجزم أنني واحدٌ من ملياراتِ البشر التي تمشي على وجهِ الأرض ومن سبقهم تحتها ومن هم لا يزالون في أصلابِ الرجالِ وأرحامِ الأمهات!

ينبلج الصبحُ ونقلب أنا وصديقي القادم من بلادِ الهند وريقات شجيرات الخضرة التي زرعها وهي تحاول جاهدةً أن تبقى دون أن تأكلها الطيورُ أو تميتها حرارةُ الشمس، وفي كلِّ يومٍ يتندر صديقي الهندي بمشاهدِ وعدد الآلهة التي يعبدها الكثيرُ في الهند، مشاهد نضحك منها أنا وهو لسخافتها، لكن في لحظةِ جد أسأل صديقي: ماذا تظن لو أننا وُلدنا حيث وُلدوا وكان آباؤهم آباءنا وأمهاتهم أمهاتنا، ألا تظن أننا سوفَ نكون نسخاً منهم يسخر منا غيرنا؟

لحظة إشراق الذاكرة وسخرية صديقي أيقظ عندي سيلاً من الأسئلة: يختلف الناسُ في اجسامهم والوانهم وصفاتهم ويشتركونَ جميعاً في أصلِ الإنسانية، فهل هم مختلفونَ أيضاً في عقولهم بحيث أنها ترى ذاتَ الشيء مختلفاً، أم هل أعطانا البارئ عقولاً متشابهة ونحن نستخدمها بطرقٍ مختلفة وما ينتج عنها في حينه سوف يكون ناتجاً مختلفاً؟ أنا وأنت بين لحظةٍ وأخرى تتغير نظرتنا للأحداث والأمور ولكن عقلنا هو ذاته لم يتغير، هو يشبه السكينة في المطبخ نقطع بها الفاكهة وإن غفلنا عنها قطعنا أيدينا!

هل هذه العقول تختلف من جيلٍ إلى آخر فما كان معقولاً في الماضي ليس معقولاً اليوم؟   كيف لا يزال الكثير من سكانِ العالم مع تقدمهم في المعارفِ لم يؤمنوا أن القدرةَ التي خلقت الكونَ والحياةَ هي فوق كل القدرات والمخلوقات، بل ربما نكص الكثير عن الإيمان بالله وعدَّه جهلاً أن يؤمنَ بخالقٍ للكون؟ أسئلةٌ في حياتنا لن نسأل عنها لأن أسهل طرق النجاة من حرارةِ ولهيب البحث في الفكر أن نبحث عن الجوابِ في أماكن البرودة والسكون، وعن الأشياء التي فقدناها في الأماكنِ الأقرب عارفينَ أننا لن نجدها، ولكن كفانا أن يقال بحثنا عنها! لايكفي البحث في صحراءِ تيهِ الأسئلة عن الأثرِ الذي يدل على المسير والبعرة التي تدل على البعير، بل لا بد أن نتعرفَ إلى المسيرِ الذي يرينا البعير...

مستشار أعلى هندسة بترول