آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

دنياً في حرف

كتبتُ متلازمةَ الحياةِ هذه بُعيد العشاء يومَ أمس حيث كنتُ أمشي والهواء رطبٌ ساكنٌ سكونَ الموتى والبحر راكدٌ لا حراكَ فيه. كان في الممشى من ينط ويُسرع في حلبةِ العمر وأنا بين من تدق عنده أجراسُ الستينَ عاماً وبينَ من هم أشيب وأثقل مني.

سألَ طبيبٌ مريضين من زبائنه أن يحررا وصفاً للدنيا في كلمةٍ واحدة. كتبَ الأول ”مِنحة“ وكتبَ الثاني ”مِحنة“. في كل منحةٍ محنة إن كنا نظن أننا نحنُ الضحايا، نرى العالمَ مدينٌ لنا بكلِّ ما لم يعطينا ولم نحصل عليه، وفي كلِّ محنةٍ منحة إذا كنا نحن مدانونَ لأنفسنا وخالقنا لا لغيرنا وعلينا أن نعملَ لتسديدِ الدين، ونؤمن أنَّ كل صباحٍ يمزق جلبابَ الليلِ الأسود هو يومٌ جديد يستدعي السرور. من يقرأ حياةَ الناس كلهم يجد فيها شيئاً من ذا وذاك حتى صحَّ فيها القول ”ليس في الدنيا من مستريح حتى أبو المليح“ الذي كان يُظهر البشاشةَ والظرافةَ ويخفي تحتها كل الهموم والعثرات.

نحن مخلوقاتٌ فيها حسٌّ وحكمة متى ما تمَّ ملء جوفنا بالمخاوفِ والمهابات من القادمِ على مدار السنين خفت ضوءُ الحكمة وملكَتنا المخاوف، والسر في إمكانية تحقيقِ الرضا التام هو إيجاد نقطةِ التوازن ومركز الجاذبية بين المسافتين. يذكرني حفيدي الصغير مساءَ كل يومٍ حين نجتمع بما قال الحكماء قديماً: ”إنَّ العقلَ لا يعرف إجابات والقلبَ لا يعرف أسئلة“، يذكرني أن في الحياةِ رسائل وشفراتٍ يبعثها اللهُ لنا فما نراه محنة هو يراهُ ما يمنحنا السكينة، ويبقينا أحياء، ولو أعطانا كلَّ ما نطلب وفهمنا كلما يقصد لم نصل إلى المحطةِ الأخرى من رحلةِ الحياة!

مركز السكون بين المسافتين ليسَ إلا السعي وراءَ الأجمل والأفضل وفي ذاتِ الوقتِ أن تكون لدينا القوة والصبر لتقبل ما نحن فيه والإدراك والمعرفة بما أتت به السماءُ حقّاً فنقبله وما أتت به الأرضُ ورماهُ الناس في طريقنا ونرفعه. ليست الحياةُ محنةً للرايشِ الآمن، بل هي لمئاتِ الملايين حول العالم ممن يبحثونَ عن غذاء أو كساء أو حذاء أو وطن. هي كما قالَ الشاعر الخيام:

من يَملكُ من دنياه نِصفَ رغيف
وعِشَّاً حَقيراً لسكناه
لا يكنْ خادماً ولا مخدُومَاً
فليعش سعيداً فإنَّ عَيشَهُ رَغْدٌ

مستشار أعلى هندسة بترول