آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:02 م  بتوقيت مكة المكرمة

حيطانٌ دون آذان

كبرت الحيطان ونمت لها أعين وآذان، فهل هدمنا أسوارَ حمايتنا بأيدينا؟

لم يكن في مجلسنا بدايةَ السبعينات من القرنِ الماضي مكيف هواء،   كان في سقفه مروحة زرقاء معلقة من نوع ”تات“. كان فيه نافذتان من الخشب جهة الشرق وثلاثٌ من جهةِ الغرب واثنتين من الجنوب. كان هواء الخريف القادم من فيِّ الليوان الشرقي ينضح بالنعومة التي تتسرب ممزوجةً ببقايا رطوبةِ البحر آخر شهور الصيف إلى داخل المجلس، فلا يستطيع من يجلس فيه بعيد الظهر إلا أن يصاب بالخدر وينام فوق المخدات العتيقة وبساط الزل. جارنا وأصدقائي الشباب كلهم كانوا يحضرونَ ولا يزال الكثير منهم يذكر تلك الدقائقَ والساعات التي لم يكتبها أحد أو يأخذ لها صورة ولو أخذ لها صورةً لن تكون كما هي في جمالِ الذكريات.

رَوَازنُ المجلس العليا كان فيها كتبنا المدرسية ومكتبة أخي الأكبر الذي كان يجلس مع أصحابه بعد العشاء يحفظونَ الشعرَ ومواد الخطابة. في جلسةِ المجلس القديم يُحكى كل شيء، لا أحد يصور تلك الجلسات ويفضح الصوت وما قيل ومن قال. لو جمعنا موجات أصوات وصور ما حكته أيامُ الجلسات ولياليها لابد أن يكون فيها كلما يقوله الناسُ في مجالسهم وبعدها ينسون ما قال هذا وذاك. يأتي الشتاءُ وينكمش خشب النوافذ السبع التي كانت لا ترتفع عن مستوى الزقاق إلا ثلاثة أشبار، يعود الصيف وتنغلق الشقوقُ دون أن يسرقَ أحدٌ صورة أو صوتاً!

اختفت كل تلك الخصوصية والحميمية في المجالس ولم تعد بالأمانات. هذا يأخذ صورة وذاك يسجل طرفاً من الحديث، حتى الأجهزة دونَ علمنا ترسل أحياناً مقاطعَ من أصواتنا لأناسٍ فقط لأننا نحمل أرقام هواتفهم. انهدمت كل جدران خصوصيتنا وتآكلت، لم يعد أحدٌ يرانا على حقيقتنا بل في صورٍ مصطنعة وجلساتٍ لا تستطيع أن تغفو عيناك فيها دونَ أن تلتقطَ تلك اللحظة آلةُ تصوير تبثها في الشرقِ والغرب.

أصبحنا كباراً لا نستطيع التعبير عن مشاعرنا بشكلٍ طبيعي مثل الأطفال الذين يلهونَ في رمال الشواطئ، بل لابد أن نحصي أنفاسنا ونعدل هندامنا، ونلتفت يمنةً ويسرةً لمعرفة من في المجلس ومن سوف يحفظ السرَّ في البئر، ومن سوف يبثه مثل أحزانِ يعقوب بين الملأ. سوف يأتي يومٌ نفقد فيه كل الاسوار والأستار التي تفصلنا وتتعرى خصوصيتنا لدرجة أن غيرنا سوف يعرف عنا أكثر مما نرغب وأحيانا أكثر مما نعرف.

كان ذلك المجلس القديم يسترخي فيه أصحابي وينامون، لم يكن شيء يدور بين الجالسين سوى طرف الأطفال وشاي الحطب في الإبريق المسود بدخان الحطب، والآن نمت لمجلسنا آذان تسمع وأعين ترى كل شيء. في كل يومٍ أرى فيه من يلتقط صورةً لمنظر، أحمد الله مراتٍ ثم مرات إذ لم تكن تلك الآلة موجودةً يوم كنت أسرق رغيفاً من خباز البلد، إذاً، كان الله ليغفر صورة الطفل المحتاج المضطر ولن يغفر الناس صورة المجرم السارق!

مستشار أعلى هندسة بترول