آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

درجة 24م

كانت درجةُ الحرارة 24 مئوية في صباحِ اليوم، وأنا أمشي أشم الهواءَ الرقيق رفعتُ رأسي إلى السماء شاكراً اللهَ أنني أمشي وكم في السريرِ من نائمٍ لا يستطيع النهوض. ثم سألتُ نفسي إلى متى سوف أظل أمشي؟ جوابي كان أنني لن أوقفَ الريحَ عن الهبوب ولن أغيرَ اتجاهها ولن أعاكسَ القدر لكنني سوف أمشي وإن طالَ الطريقُ خوفاً من أن يأتيَ يومٌ تقول فيه قدماي كفا لا مزيد.

كتبت ممرضةٌ غربية عن بيوتِ رعايةِ المسنين التي عملت فيها قصصاً تُبكي دماً. واحدٌ من المسنين طلبَ ذات مرة طبقَ دجاجٍ بدلاً من لحمِ الضأن فرفضت المشرفة وقالت: سوفَ يتناول لحمَ الضأن ولما حاولت الممرضةُ أن تعطيهُ طبقَ الدجاج قالت المشرفة: إما لحم الضأنِ أو يموتَ جوعاً، هذا كل شيء!

لم يضني ويحزن المسنين، الذين كانوا أناساً عاديينَ مثلنا ذوي عقولٍ صافية وكانوا يملكونَ قراراتهم ويتصرفون في أنفسهم، لكن أجسامهم هرمت لحمُ الضأنِ أو الدجاج بل فقدانُ العزةِ والكرامة حين كان من يعتني بهم يرش أجسادهم بالماءِ البارد في شتاءِ أوروبا المثلج ويتركهم يرتجفونَ دونَ دثار. وإن كنتَ تظن أن إنسانَ الشرقِ يختلف عن الغربِ فأنتَ مخطأ، إذْ متى ما تحولَ كلُّ شيء في الإنسانِ إلى مصدرِ حياةٍ وعمل بين السابعةِ صباحاً والرابعةِ مساءً يصبح إنسان الشرقِ وكل الجهاتِ يشبه بعضه بعضاً. لا تزال في ذاكرتي زيارة وداع أحد أقاربي في المشفى حين قال لي بصوتٍ مكسور: إنهم يضربوني وماتَ بعدها بأيام! قبل مدةٍ قصيرة من دخوله المشفى كان هذا الرجل جبلاً فارعَ الطول لكنَّ العزيز في وادي الذلِّ تأكله النسور!

ليس الهدف من ذكرياتِ الممشى تقييم رعايةِ المسنين، بل الهدف منها أن نعرفَ أن الحياةَ جميلة تستحق أن نمشيها وألاَّ ننامها. جمال الحياة يبقى في أن نكونَ أصحاء لا يعرينا المرض من كرامتنا ويجردنا من ملابسنا وأن نستمتعَ بكل ما وهبه الخالقُ لنا من نعم، فالحياة لنا ونحن نستحقها ولا ينقص من قدرنا شيء!

ليس في أيدينا كم نعيش لكن ربما في أيدينا كيف نعيش! لم يخلو البشر منذ أن سكنوا الكهوفَ إلى حين سكنوا القصورَ من متاعبِ الحياة لكن إنسانَ اليوم ربما طاله النصيبُ الأوفر من هذه المتاعب وتكالبت عليه المحن، فلابد له من ان يتجهَ إلى السماءِ ويتكل على ما وهبته من عناصرَ قوةٍ وينهض من نومه ويمشي!

العبرةُ في قصصها كان أيضاً أن الإنسان حين تضعف قواه يعطف عليه أهله مدةً إن كانوا يرجونَ له الشفاء وإلا جفوهُ وأسلموهُ لأيادي الغرباء. أليس هذا كافٍ لنستمتعَ بحياتنا كلها ولا نسلمها لأيدي الغريبِ القريب أو القريبِ العدو!

مستشار أعلى هندسة بترول