آخر تحديث: 7 / 4 / 2020م - 11:23 ص  بتوقيت مكة المكرمة

جرمٌ صغير؟

ما هي أقدم وأذكى وأعقد وأثمن آلة عرفها الإنسانُ منذ بدء الخليقة؟ ليست هي آلة الحراثةِ أو الصناعة أو الحاسوب بل هي جسم الانسان ذاته، أنا وأنت. آلةٌ أبدعَ صانعها صُنعها، جمعَ فيها دقةَ وإبداعَ كل الآلات ولم يستطع البشر أن يستنسخَ آلةً مثلها أو تقرب منها ولا أظن أنه سوفَ يكون قادراً في المستقبل.

آلةٌ يملكها كلٌّ منا ويتعرف عليها منذ ولادته ولا يفقدَ الاتصالَ بها إلاَّ حين يموت. في خلالِ فترةِ الإستعمال يعرف مالكها متى تتعب ومتى تتعطل تلك الآلة، يعرف متى تخونه وأنها ليست في مستوى ما اعتادَ عليهِ من خدمةٍ متواصلة دونَ انقطاعٍ ليلَ نهار. أجسامنا تتكلم معنا كلَّ يومٍ وعلى مدارِ اللحظة ترسل لنا إشاراتِ العافية أو ذبذباتِ العلل لكننا لا نرغب سماعَ شكاوى العلل ونهملها.

نملك آلاتٍ رخيصة يمكننا استبدالها فنسهر على صيانتها والتلطف بها قبلَ أن تتوقف، إذاً، أجسامنا يجب علينا أن نصونها من العللِ وندللها ما يكفي للحصولِ على أفضلِ كفاءة ولا ننتظر أن تتوقفَ عن العمل ثم نهرع لصيانتها، حينئذٍ قد لا نستطيع إعادتها لما كانت وربما توقفت عن العملِ كليةً.

أكاد أجزم أنه مع معرفةِ أن أجسامنا سوف تتوقف عن العملِ يوماً ما لتعودَ إلى مصنعها الأصلي، التراب، ولكنها لا تتوقف عن العملِ دفعةً واحدة قبل أن ترسلَ لنا علاماتٍ ونذر في أنَّ شيئاً ما طرأَ ونحن نختار أن نوقفَ تلك الإشارات وفي كثيرٍ من الحالاتِ يمكن إصلاح أجسامنا والإستفادة منها مدةً أطول.

دللوا أنفسكم واعتنوا بها، ليس عيباً فهي كلما تملكون. إن صحت أجسامكم سوفَ تصح عقولكم وقلوبكم وإن مرضت سوف تمرض قلوبكم وعقولكم! سواءً كنتم في العشرينَ أو الثمانين اعتبروا كلَّ يومٍ هو هبة من المانحِ وأنه كل ما لديكم. أنتم تشقونَ وتتعبون فحقٌّ لكم أن تريحوا أنفسكم ما كان لذلك سبيلا.

من عجائبِ الزمن أن شباباً اليوم يتسابقونَ ويتزاحمونَ لتحطيمِ تلك الآلة حتى صرتُ أعتقد أنَّ أحداً ما أعطاهم ضماناً على سلامتها وبقائها دونَ أن تتعطل. أهون المصائب أن يستدعيَ الصانعُ ذلك الجسد ويعيده للتراب تارةً أخرى لكن قلما يرتاح من يبقى حبيسَ المشافي والأسِرَّة!

مستشار أعلى هندسة بترول