آخر تحديث: 7 / 4 / 2020م - 1:32 م  بتوقيت مكة المكرمة

من يحضر السُفرة!

قبل أن تختفي سفرةُ سعف النخيل التي كانت هي والحصير سيدا الأكل والنوم، كنا ننظف سفرتنا بعد كلِّ وجبة وننفض ما بقي من الأكل للدجاجات، ثمَّ نعلق السفرة على الجدار بانتظار وجبة الغداء التالية لأن الدجاجات إذا لم تقتات فلا بيضَ في اليومِ التالي. كانت لدينا على الدوام مشكلة من يأتي بالسفرة ومن ينظفها، مع أننا كلنا كنا نحتاجها ولا يكون أكلٌ دونها، لكن عندما كان يحين وقت إحضارها وتنادي أمي أو والدي ”هاتوا أو جيبوا السفرة“ كان كل منا يلوذ بالصمتِ ويتذمر والكل يقول أنا أحضرتها أمس أو البارحة ولكن أمي كان عندها قبضةٌ قوية كنا نخشاها كلنا فيخنع واحدٌ منا ويأتي بالسفرة، وفي الستين من العمر أقر أنني في أغلبِ الأيام كنت أجبن أخوتي وأخوفهم، وبعد الأكل كنا نتحاشى اللقمةَ الأخيرة حتى لا ننظف السفرة علماً بأننا لم نكن مشغولينَ بما هو أبهج من هذه الوظيفة.

ذكرني بالسفرة عمل التطوع اليوم حيث يستفيدُ كلُّ الناس من الشارع والأماكن العامة ولكن كلهم يرمونَ القاذورات ومن ينظفها غيرهم، وكلهم يستمتعون بمشاهدة المتطوع. أراد صاحبي أن يقومَ بعملٍ جماعي فاستدعى مجموعةً من المتطوعين لتنظيفِ مكان الإجتماع، سألته هل من سوف يحضرون غير قادرين على جمعِ مخلفاتهم، هل هم لا سمح الله هم من ذوي الاحتياجات الخاصة؟ قال: لا، قلتُ: إذاً هذا يشبه وضعنا مع سفرةِ الخوص إن لم يحضرها واحدٌ منا، نحن من سوف نأكل فوقها، فلا وجبةَ غداء.

مناظر يوم الجمعة حين يرمي المصلون أكوابَ القهوة وقناني الماء الفارغة، مناظر من يرمي نحوك بمخلفاتِ سيارته الفارهة وباقي سيجارته المستوردة وعليك أن تنحني لالتقاطها ليس عملاً تطوعيا بل هو تشجيع لمن يأكل ولا يحضر السفرة أن يفرَّ من العقاب. مشاهد أناسٍ في مختلفِ الأعمار والثقافات والشهادات يعتبرونَ أن غيرهم من عليه أن يحصل على ثواب عمل التطوع لتنظيف الشارع والحديقة ومحيط المسجد والمدرسة يجب أن نتيقنَ أنها مشاهد لابد أن تنتهي في عصرِ الحضارةِ والتقدم وعصر التباهي بجمالِ المدنِ والمحافظة على البيئة.

التطوع هو مساعدة من لا يستطيع وزرع الأرض بالشجر والورد والمحبة، أما التقاطي أنا لأعقابِ السجائر وعلب المشروبات من أحواضِ الزراعة خارج منزلي كلَّ صباحٍ ومساء فهو عملٌ يبعث على الغثيان وأنا مجبرٌ عليه بكلِّ أسى، لا يبعث البهجةَ أو الفرحةَ في نفسي!

مستشار أعلى هندسة بترول