آخر تحديث: 14 / 10 / 2019م - 10:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

الاكتئاب بداية الانتحار

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

اختارت منظمة الصحة العالمية قضية الانتحار ليتم التركيز على نشر الوعي عنها ومسبباتها ومنعها في ذكرى اليوم العالمي للصحة النفسية الذي يوافق العاشر من شهر أكتوبر في كل عام.

بحسب منظمة الصحة العالمية يفقد ما يقرب من 000 800 شخص حياتهم عمدا، إلى جانب عدد أكبر بكثير من الأشخاص الذين يحاولون الانتحار. وتمثّل كل حالة انتحار مأساة تصيب الأُسَر والمجتمعات المحلية والبلدان قاطبة بما لها من تداعيات طويلة الأمد على أولئك الذين يتركهم المنتحرون وراءهم. ويحدث الانتحار على مدى العمر، وهو ثاني الأسباب الرئيسية للوفاة في أوساط من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما عالميا.

يعد الاكتئاب الحاد من المسببات الرئيسية لليأس وفقدان الرغبة في الحياة والذي قد يتطور من نزعات تفكير بالموت إلى محاولات واعية أو غير واعية للانتحار، بعضها قد لا يفصح عنها الأهالي بسبب الوصمة الاجتماعية والحرج الديني من وفاة المنتحر.

تعد نسبة الاكتئاب في الشرق الأوسط «7%» ضمن الأعلى إصابة في العالم بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية، حيث قدرت الحالات المصابة بالاكتئاب الحاد بأكثر من 350 مليون مصاب من مختلف الفئات العمرية.

بدراسة في عام 2001 م، صنف الاكتئاب الرابع عالميا كمسبب للعجز أو الموت المبكر، هذا ويتوقع أن يكون من الأسباب الأولى المؤدية للمرض بعام 2030م، ولكن لا يزال التعامل مع مرض الاكتئاب أقل مما هو متوقع لتداركه، وهو أحد أسباب تلك الوصمة الاجتماعية للمريض النفسي، وضعف أو صعوبة الوصول للإمكانيات التشخيصية والعلاجية. «منظمة الصحة العالمية 2012م».

تتجلى أهمية طرح مشكلة الاكتئاب الحاد اليوم في التغيرات التي تحيطنا، فعندما نسمع عن الشاب الغر الذي يلقي بنفسه ضمن الشبكات الإرهابية وينهي حياته انتحارا وهو في مقتبل العمر وعنفوان الحياة، فهل ذلك فقط للتأثير المضلل والمشوه، أو أن هناك عوامل أخرى يمكن تداركها مثل الاكتئاب المرضي الذي لم يلاحظ من قبل الأسرة والمحيطين لينقذوه قبل فوات الأوان.

فقد يفسر ابتعاده عنهم وفشله في دراسته أو عمله بالملل والطفش، ويرون أن انزواءه وحزنه غير المبرر وردة فعله المبالغ فيها للمواقف البسيطة عصبية، كما قد يعتقدون أن عزلته الاجتماعية والابتعاد عن الرفقة الطيبة والتمتع بمباهج الحياة مزاجية. عندما تجتمع تلك الأعراض مع أعراض أخرى كنوبات الحزن والبكاء دون سبب، واليأس وانعدام الأمل، واضطرابات النوم، وصعوبات التركيز، وقد يزيد وزنه أو ينقص، مع إحساس دائم بالتعب والوهن وآلام جسدية لا تفسير لها، ويتعاظم بداخله عدم تقدير الذات، ويتطور إلى أفكار سوداوية مستمرة بالموت ثم إلى مبادرات انتحار، عندها تترابط الصورة لتدق ناقوس الخطر بأن هناك مشكلة كبيرة يعاني منها تستوجب الاستشارة الطبية.

في يومنا هذا يتعامل المهتمون بالصحة مع الاكتئاب «Depression» كمرض مزمن يتطلب علاجا طويل المدى مثل مرض السكري والضغط والربو وغيرها من الأمراض المزمنة، التي باكتشافها المبكر وتمكين علاجها فإنه من الممكن الحد من آثارها وتقليل مضاعفاتها ولو كان مرض الاكتئاب الحاد. وبذلك قد يجنب المصاب الممارسات السيئة التي قد تدمره ومن حوله مثل شرب الكحول أو تعاطي المخدرات، أو أن يغرر به استغلالا لوضعه الصحي فينهي حياته بما يغضب الله.

وهذا يتطلب وعيا عاليا بأهمية تناول مرض الاكتئاب كأولوية وتقديم العلاج مبكرا لتحجيم آثاره السلبية حماية للمريض ولأسرته ومجتمعه ووطنه.

مديرة إدارة التوعية الصحية في صحة الرياض- استشارية طب أسرة، أخصائية صحة عامة وإدارة الأنظمة الصحية وإدارة الجودة