آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:02 م  بتوقيت مكة المكرمة

روحُ الحياة

هل فكرنا يوماً ماهو أقوى وثاق يشد غرباءَ لم يلتقوا لحظةً في حياتهم، رباطٌ يشدهم ولا يفارقهم حتى الموت؟ إنه حبلُ المودةِ الذي يشد الإنسانَ للإنسان ويشد الزوجَ والزوجة معاً. غرباء لم يلتقوا يوماً ولم يدر في فكرهم مَن سوف يحبون ومن سوف يمشون كلَّ خطواتِ طريقِ الحياة، يدوسون الوردَ والشوكَ معاً، وفي لحظةٍ من الزمنِ يلتقونَ في لعبةِ ”الحب حظ ونصيب“. صغاراً يشدهم حبلُ عاطفةِ الهوى، يكبرانِ ويستقويان، ومن يضعف منهما يسترخي على كتفِ الآخر، كلما تأخرت العاطفةُ خطوةً وثب العقلُ خطواتٍ للأمام يملأ الفراغَ ويقول: أنا هنا في حلوِ الأيامِ ومرها، في الصحةِ والعافية، وفي كلِّ أيامِ حياتي وبعد مماتي.

قرأتُ عن امرأةٍ معاصرة فقدت ثلاثةَ أولاد وفي كلِّ مرة تفقد ولداً كان ينثقبُ ثقبٌ في كبدها ولكنها بقيت في نضارتها تستند إلى كتفِ زوجها القوي الذي ينفخ في روحها من روحه وفي عزمها من عزمه. مات الزوجُ فسألوها عن الحياةِ بعده فقالت: لقد انتهت الحياة هنا، وماتت بعد سنةٍ واحدة من وفاةِ زوجها.

لا من دعوةٍ للحزنِ والكمد بل دعوة للاستمتاعِ بقوةِ هذا الرباط وتوثيقهِ واختبارهِ في الرخاءِ حتى إذا ما جاءَ الامتحانُ الحقيقي كان هذا الرباطُ قوياً يأمن إليه الزوجُ والزوجة. نحن في أوائلِ الخريف تجدد الطبيعةُ كلما ضعفَ فيها، تستعيد الأشجارُ عافيتها ونضارتها وبعدَ أيامٍ يأتي المطرُ ليغسلَ عنها ما علقَ بها من بقايا الصيف وكأنَّ الطبيعة تقدم لنا طلباً ترجونا فيه أن نتخذها قدوةً في فتلِ حبالِ المودة وغَزْلها كي تستقويَ في عواصفِ الشتاء.

حاصل جمع الأرقام يقضي بأنَّ الواحدَ عندما يضاف له مثله يكون الناتج اثنين ولكن روعة وبداعة رابط الإنسانِ بالإنسان يحتم أنَّ الواحدَ عندما يضاف له الآخر يكون الناتج يساوي أمنَ ورخاءَ وسعادةَ العالمِ كله، وعندما ينقص من الاثنينِ واحد يكون الباقي صفراً، يذبل ويموت. لم تُعجب روعة ومتانة هذا الحبل فئران المدنية فصارت تقرضهُ وتصرمه، تحوله إلى حياتٍ مثل حياتِ سحرةِ فرعون وتقول لكلٍّ المتحابين: لا تكن غبياً شدَّ أنتَ من هنا وخذ الحبلَ لك، حينها لا يصمد الحبل وتبقى فئرانُ التعاسةِ تبحث عن حبلٍ آخر لتقرضه.

من عجائبِ تآلف الأرواح أنَّ غرباءَ لم يعرفوا بعضهم يصبحونَ بين ليلةٍ وضحاها عشاقاً، تلك القلوب المجنونة المستهامة في بعضها صارت غرضاً ترميه سهامُ الشياطين والشرور من جهاتِ العالم الأربع بدعوى العدالة في الحب وهل في الحبِ وروح الحياةِ من عدالة؟! تلك الأرواح كانت لتبقى حتى تشيبَ مع بعضها وكلما نظرت لبعضها في سنواتِ الضعفِ حين تغزو التجاعيدُ وجهها تقول: تلك صورةٌ معاذَ الله أن تشينها خطوطُ الزمن بل تزينها.

أسرع طريقةٍ لقطع حبلِ المودة حين يوحي الشيطانُ لنا أنَّ في الحياةِ بدل حبلِ المودةِ ألفَ خيطٍ من خيانةِ الود فيها المرح والسعادة وفي الشباكِ طيور أخرى تحمل السلامَ والوئام وينقلب الحبيبُ غريماً لا يُنصف...

مستشار أعلى هندسة بترول