آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

أي نفوس وإرادات لزوار الأربعين؟!

يحسب البعض - وقد تقوقع حول جهله أو سواد قلبه - أن مسير الأربعين خاو من أي مضمون جميل وغاية سامية، أفلا ينفتح هؤلاء على هذه الظاهرة الفريدة بعقول واعية ومنصفة تتأمل في وقائعها ومخرجاتها دون بخس لحقها؟!

مسيرة يؤمها الملايين ممن يحركهم الشوق لاكتحال العين برؤية قبة الإمام الحسين الشامخة، فتطمئن أفئدتهم بجوار ضريحه وتهدأ جوانحهم بعيدا عن كل اضطراب وتشوش، وقبلة الأحرار هي القصد نحو الأهداف الحسينية ومحددات تلك العظمة والعلياء التي صنعتها ثلة مؤمنة قليلة، قد تكاملت نفوسهم فلم تبال بلغة التهديد والبطش بل وبتنفيذه، فنفوسهم الأبية لا تشعر بآلام الدنيا وقد حلقت في فضاء الملكوت الإلهي، إنه مسير التضحية والتفاني في سبيل القرب الإلهي ورفعة الدين والحفاظ على الأمانة الإلهية المتمثلة بقيمه وتعاليمه، فلا بقاء حقيقي دون ترسية تلك المباديء والوقوف بوجه موجات الطغيان المحاربة له.

أفلا يعلم هؤلاء الهاضمين للمعرفة الحسينية أن مسير الأربعين هو طريق تزكية وتهذيب للنفوس للتخلي من شوائب الذنوب والمعاصي وليس الإصرار على فعلها والعكوف على اقترافها، فما يرجى ويتحرى هو التطهير النفسي من أغلال الشهوات، وخير مقعد للتوبة والرجوع إلى الله تعالى وإبداء علامات الندم هي بين يدي ضريح السبط الشهيد الذي قاد حركة الإصلاح، فقلب يحقد ويكره ليس بجدير أن ينضم للواء أنصار الإمام الحسين، ولذا فإن زائر الحسين يخمد في مسيره نيران البغضاء والمشاعر السوداوية تجاه الآخرين بل ويبريء ذمة كل من أساء إليه وأخطأ بحقه، فإن عاد الزائر متخففا من تلك الأوزار كان ذلك علامة قبول وتزكية لنفسه، وإن أقفل وعاد كما ذهب للزيارة فهذا يدل على أنه لما يعرف مكانة الزيارة ولا مقومات الزائر المخلص.

ومن مظاهر العرفان والإيمان هو تمثل مقامات الإمام الحسين في علاقته بربه وأهمها الصلاة وذكر الله تعالى ومناجاته حتى في أحلك الظروف وأصعبها، فلم ييمم الإمام وجهه وقراره وإرادته بعيدا عن الإرادة الإلهية، ولا نبالغ إن قلنا أن سر العظمة الحسينية ومنبع كمالاته كانت في وقوفه بين يدي الله تعالى خاشعا خائفا، ولذا فإن المحافظة على الصلاة وبقية العبادات بحدودها وشرائطها من علامات الزائر الحسيني، صلاة وصوم عن معرفة بالأحكام الشرعية والاهتمام بتعلم أهم المسائل الابتلائية.

وعظمة ومكانة زوار الإمام الحسين ناشئة مما يحمله فكرهم من معرفة بمقام وأهداف قدمتها النهضة الحسينية جلية، وتنبع كذلك من إراداتهم القوية التي تهزم الصعاب وتذللها لكي تصل إلى محبوبها، وتكشف عن نفوس تواقة لتلقي الكمالات ونفحات العزة والكرامة والنزاهة النفسية والنورانية القلبية فتكسب بخطاها شيئا من الفضيلة الحسينية، وهذا هو سر تلك الدعوات الحثيثة لزيارة الإمام الحسين عموما وزيارة الأربعين خصوصا؛ وذلك لما تمثله من زاد معرفي وسلوكي يستحقه المؤمن كهبة إلهية لمن استنهضهم من خلال تلك الزيارة لجني المكتسبات، فما لباس التقوى وجلباب الحياء والخشية من الله تعالى إلا من ثمار الاقتداء بهؤلاء العظماء الذين سجلوا بحروف من نور سيرة ذهبية.

إن الإمام الحسين مدرسة في التسليم والرضا بقضاء الله تعالى وتقديم القرابين - النفوس الغالية - ممن جسدوا القيم الدينية والأخلاقية في منطقهم وتصرفاتهم، وحري بمن يطلب العلياء والرفعة أن يتخذ من أبي الضيم قدوة يتأسى بمواقفه.

والجانب الاجتماعي يتجلى في العطاء والتخلص من أغلال الأنانية وشح النفس، فلن تجد تآزرا وتكاتفا وشعورا وجدانيا يحب الآخرين ويسعد بمساعدتهم كما تجد في زيارة الأربعين، فلا مظهر للكرم والعطاء بأبهى صوره ويحتاج للحديث عنه كما في زيارة الأربعين حيث تبرز الصور الكثيرة جدا للإنفاق والسخاء بلا حدود تقدمها المضايف احتراما وتقديرا لخطى الزائر الحسيني، وحري بالمؤمنين إكمال مسير السخاء بعد الزيارة وتغلغله في النفوس حينما تقفل إلى بلدانها فتبلسم آلام المعوزين.

واللسان اللهج بالخطاب الحسيني والصارخ باسم الحسين في وجه كل طغيان وفساد، يستنكف ويتأفف ويترفع عن عفونة الكذب والغيبة وقذارة الشتائم وانتقاص الآخرين وغمز قناتهم بالهمز واللمز.