آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:02 م  بتوقيت مكة المكرمة

السؤالُ العميق

سؤالٌ نسأله بعضنا كلَّ يومٍ ببساطةٍ وأريحية، لا نلتفت لحجمِ وعمقِ هذا السؤال، فهو في كثيرٍ من الأحيان لا يعدو كونه سؤال مجاملة: كيف ترى الدنيا وكيف ترى الحياة؟

ماذا لو سألنا الكفيفَ كيف ترى الدنيا؟ هل سوف يكون جوابه أنا لا أراها كلها. لا أرى الشمسَ أو القمر، ولا أرى وجهَ من أحب. أنتظر من يأخذ بيدي ويدلني على الطريق ومن يخبرني عن لونِ ملابسي، ولا أستطيع الإستمتاعَ بما تعدونه زحمةَ الطريق والمناظر الرتيبة. أم هل يقول: إن كنتُ فقدتُ بصري فلم أفقد بصيرتي. أنا أرى الأشياءَ بقلبي وعقلي وأحس بها دونَ أن أرى عيوبها. إن غابت الشمسُ تيقنتُ عدم ظهورها، وإن لم أتمكن من رؤيةِ من أحبّ فإنني لن أعدم طيبَ أنفاسه.

ثم ماذا لو سألنا الأصمَّ كيف تسمع الدنيا؟ هل كان يقول: تبَّاً، أنا لا أسمعها كلها، لا فرقَ بين صمتِ الحياة وصمت الممات. لا أسمع نغمةَ عودٍ أو زقزقة عصفور. كم وددتُ أن أسمعَ ما تعدونه ضوضاء وتصمون أسماعكم عنه، وسماعَ الموسيقى التي تحتقرونها. أم تراه يقول: ما لا أسمعه فأنا أراه! إذا رأيتُ البسمةَ سمعتُ الضَحِك وإذا رأيت الدمعَ سمعتُ النحيب.

ترى ماذا يكون جواب الأبكم والكسيح أو غيرهم إن سألناهم؟ أنا المعافى الذي أصحو كلَّ يومٍ أرى وأسمع وأمشي لا أجد جواباً غير الشكوى من الحياة، وذاكَ الكفيف يبصر أكثر مني والأصم يستمع أدق مني والأبكم يتكلم أبلغَ مني. كم في هذه الدنيا من إنسانٍ ملكَ أدوات الحياة ومات، وكم من إنسانٍ حرمته الحياةُ من أدواتها وعاشَ فيها حراً طليقاً يحسده كلُّ سجناء العافية!

بالرغم من فقد لويس برايل بصره في الثالثةِ من عمره ومعاناته من أمراضٍ دائمة في الجهازِ التنفسي، إلا أنه ابتكر طريقة برايل للكتابة والقراءة التي مكنت من بَعده من المكفوفين من القراءةِ والكتابة، وفقد أبو العلاء المعري بصره في الرابعة من عمره لكنه تحدى من لهم أعينٌ في الشعرِ والفلسفة والفكر الحر، كما أصاب الصممُ توماس أديسون ولم يمنعه من أن يضيءَ لنا الدنيا في مصباحه المتوهج.

نسأل كيف هي الحياة؟ والجواب هو: إن الحياةَ يملأها الهَمُّ الذي يقعدنا عن عدِّ نعم الرب التي لا نستطيع أن نحصيها والتمتع بها ولن تسمع الدنيا لشكوانا. أو يكونَ الجواب: تملأها الهِمَمُ التي تجعلنا نمشي إن عجزت أقدامنا عن المشي ونبصر إن كُفَّت أعيننا عن الرؤية وحينها سوفَ تسمعنا الدنيا وترانا...

مستشار أعلى هندسة بترول