آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

قصيدةُ التاروتي المظلومة

منذ أن كنتُ طفلاً حين زرتُ مرقدَ الإمام الحسين كنت أتهجى خمسةَ عشر بيتاً من قصيدةٍ كتبت بماءِ الذهبِ على بابِ القبلة، المدخل الرئيس للضريحِ المشرف، ذُيلت باسم كاتبها المرحوم محمد مهدي الجواهري. معرفتي بالشعرِ لا تعدو الاستمتاعَ بقراءته وسماعه، يحزنني كثيره ويطربني كثيره، لكن بعض أبيات تلك القصيدة وسيما مطالعها بقيت في ذاكرتي:

فِدَاءً  لمثواكَ من مَضْجَعِ
تَنَوَّرَ بالأبلَجِ الأروَعِ
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنانِ
رُوْحَاً ومن مِسْكِها أَضْوَعِ

قصيدةُ الجواهري سارت بها الركبان، يحفظها الآلافُ وقلما ترى أحداً من أدباءِ الشيعة وغيرهم لم يقرأها. وفي العصرِ الحديث ذاعَ صيتها أكثر لكثرةِ من أضافوا لها اللحنَ والصورة. لا غر فتلك القصيدة انطلقت من بيئةٍ أعانتها على الظهورِ مع ما تختزنه في ذاتها من إبداع.

وبعد أن كبرت تعرفت على قصيدةِ الشيخ حسن التاروتي رحمه الله الذي عاشَ في القرنِ الثالث عشر هجري أيامَ الحكمِ العثماني. لا يستبعد إطلاع الجواهري على قصيدةِ الشيخ حسن وغرفهِ منها في تشابهِ القافيةِ والبحر لما بين جنوب العراق والقطيف من تقاربٍ في البيئةِ والأدب والتواصل، ثم أن الجواهري جاءَ في وقتٍ متأخر عن الشيخ التاروتي.

لمعت قصيدةُ الجواهري وحفظها كثير من البعيدين عن العراق، وأضاعَ قصيدةَ الشيخ حسن التاروتي أهلهُ من تاروت والقطيف ولم يحفظوها! فمن النادرِ أن تسمعَ شيئاً منها على لسانِ الناسِ ولو مرةً واحدة في السنةِ مع سلاسةِ كلماتها وعمق معانيها وسهولة حفظها. كلما سمعت أحداً يذكر قصيدة الجواهري أقول له اسمع هذا:

إذا لمعت نارُ طور الغري
فأنتَ بوادي طوى فاخلعِ
وصلِّ وسلم وصِل واستلم
لقدسِ أبي الحسنِ الأنزعِ
ونادِ وقل يا زعيمَ الصفوف
ويا قطب دائرةِ الأجمعِ
قعدتَ وبالطفِّ أمُّ الخطوب
تقعقع في ضنكِ الموقعِ

درتانِ فريدتان اصطادهما شاعران كبيران ربما تشابهتا صدفةً لأنهما من محيطِ الحسين الزاخر أو عن قصدٍ لأنهما حكيا حكايةً من أعماقِ الحزن والألم. قصيدتان بقيت الثانيةُ مناراً للشعراء والحفاظ ينهلون منها وبقيت الأولى يحفظها القلةُ من أهلها! قصيدةٌ لا تجد ممن يسمعها إلا التعجب من مرورها مرور الكرام في الأدب الراقي الذي ضيعه أهله، وكأنَّ الشاعر كان يعنيها في قوله:

وكم في الخدرِ أبهى من عروسٍ
ولكن زين الزمنُ العروس!

لابد أن الشيخ التاروتي أصغى لهديلِ راعبيةِ الحمام يسقي زرعه بين بساتين ونخيلِ تاروت فأثارت عنده لواعجَ الشجنِ واستحرَّ به الحزن وساءلها عن سببِ حزنها:

أللراعبيةِ بالأجرعِ
صبابة وجدٍ فلم تهجعِ
أم استوجدت إذ أتت مورداً
تمضمض منه ولم تكرعِ
أجارتنا ليسَ دعوى الأسى
بأن تخضبي الكفَّ أو تسجعي

مستشار أعلى هندسة بترول