آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإنجاز بين الفرد والمجتمع «الجزء الثاني»

‏‎من المسؤول عن الإنجاز وصناعة الحضارة، هل هو الفرد او المجتمع؟

‏‎استعرضنا النظرية الأولى وهي النظرية الرأسمالية التي نصت على أصالة الفرد وأطلقت حريته وسنت القوانين التي تسمح له بتنمية ثروته كنظام السوق المفتوح. وقد أنتجت هذه النظرية رفاها اقتصاديا لطبقة الأغنياء فبرزت الكثير من الأسماء العائلية الغنية كعوائل روتشيلد ونوبل وروكفلر وبرزت الكثير من الشركات كستاندرد اويل والهند الشرقية وجي اي وحاليا قوقل وابل وامازون وغيرهم. وكان من سلبيات الرأسمالية أنها شرخت المجتمع الى طبقية مروعة وذلك على حساب الطبقة العاملة وتسببت في عدة هزات إقتصادية أضطرت فيها الحكومات للتدخل لإنقاذ الأسواق.

‏‎ونتطرق هنا الى النظرية الثانية وهي النظرية الماركسية.

‎مقدمة:

‏‎لعبت المختبرات والتجارب دورا رئيسيا في اثبات او دحض الكثير من نظريات العلم الطبيعي وكان لفلسفة هيوم ولوك الدور البارز في دعم الفكر التجريبي. وقد تطورت النظريات العلمية تدريجيا معتمدة على النظريات التي سبقتها كما هو المعتاد في تطور العلوم والحياة البشرية بصورة عامة. أما العلوم الإنسانية والإجتماعية كالتاريخ والإقتصاد فكان من الصعب إخضاعها للمختبرات والتجارب نظرا لطبيعة القضايا المدروسة ولطول المدة التي يحتاجها الباحث والتي تتعدى العشرات بل المئات من السنين. وهنا يتبين مدى الصعوبة التي واجهها المفكرون في هذه القضايا كآدم سميث مؤسس الرأسمالية وكارل ماركس مؤسس الماركسية. ونحن إذ نراجع نظرياتهم الآن فإننا نستفيد من التطبيق العملي للنظريتين وكأننا قد أخضعناهم لتجربة عملية أستغرقت قرنين ونصف من الزمن للنظرية الرأسمالية وحوالي قرن من الزمن للنظرية الماركسية.

‏‎

النظريات كالنبات:

‏‎تحتاج النباتات لمناخات ملائمة للنمو كالأرض الخصبة والماء وضوء الشمس والحرارة المناسبة. وحين ننظر في تاريخ العلوم نجد أن النظريات الفكرية تحتاج كذلك الى مناخات مناسبة. ولذلك فعند مراجعة أي نظرية فكرية، يجب علينا فهم المناخات التي دفعت واضع النظرية لتبني أفكاره وكيف أستدل عليها. ومن هذه المناخات المهمة المناخ الفكري والمناخ الإقتصادي والمناخ الديني وحالة الشخص النفسية والإجتماعية. ويجدر بنا أن نستعرض هنا بعض هذه المناخات التي ولدت فيها النظرية الماركسية.

‏‎

المناخ الفكري:

‏‎لقد طور الفيلسوف الألماني هيغل نظريته الديالكتيكية التي سماها المترجمون بالجدلية. والجدل يعني المناظرة والمخاصمة لإثبات او دحض قضية معينة. أما جدلية هيغل فتعني إنتقال الذهن من فكرة معينة الى فكرة تناقضها ثم التركيب بينهما، وتتكرر هذه العملية الذهنية الى أن يصل الإنسان الى الفكرة المطلقة. وهنا يجب التأكيد على تركيز هيغل على التفكير في المتناقضات والتنقل الذهني في عملية تصاعدية بحثا عن الفكرة المطلقة.

‏‎وجاء بعد هيغل، الفيسلوف فيورباخ الذي أعتبر أن الإنسان إبن الطبيعة وينتسب اليها فهي أقرب الأشياء اليه. لذلك فهو أسس الفلسفة المادية التي ترى أن الطبيعة المادية هي الأساس لأفكار الإنسان وليس العكس. ولاشك أن فيورباخ تأثر كثيرا بنظرية الإنتخاب الطبيعي لدارون الذي سبقه، والتي تنص على أن الطبيعة هي التي تتغير فتتأثر بعض الكائنات الحية لتتأقلم معها بينما تموت وتفنى الكائنات الآخرى التي لاتتواءم مع المتغيرات الطبيعية. وهكذا يكون البقاء للأقوى. فالطبيعة في نظر دارون حاكمة على حياة الكائنات ومنها الإنسان. في هذا المناخ الفكري وضع كارل ماركس نظريته في المادية التاريخية والمادية الجدلية وهي مركب من جدلية هيغل ومادية فيورباخ.

‏‎

المناخ الإقتصادي:

‏‎لقد تأسست المصانع والشركات الغربية منذ القرن السادس عشر تقريبا وبدأت الثروات في النمو وأنطلقت الأساطيل الغربية تجوب البحار بحثا عن المواد الخام والأسواق سواء من اسبانيا والبرتغال وبعدها من هولنده ثم من بريطانيا وفرنسا. وتم صيد البشر من افريقيا وجلبهم الى العالم الجديد «امريكا» وبيعهم ليعملوا كالعبيد في الزراعة وغيرها. وقد عانى العمال في الحقبة الأولى من الرأسمالية وحتى بدايات القرن الماضي من جشع المصانع والأثرياء فمات الكثير منهم نتيجة الأمراض الفتاكة وساعات العمل الشاق الطويلة.

‏‎ويرى فريدريك إنجلز زميل كارل ماركس أن العملية الإنتاجية والنشاط الإقتصادي الرأسمالي يكون كمايلي:

‏‎تتكون وسائل الإنتاج في المصانع غالبا من الأرض ورأس المال «متمثلا في الآلة والتكنولوجيا والنقد» والعمال. وحين ننظر الى تكلفة منتج معين، «والتي تشمل إيجار الأرض وتكلفة الآلات وقيمة المواد الخام ورواتب العمال وتكلفة التخزين والتوزيع والتسويق»، فهي قد تبلغ دولار واحد فقط مثلا، بينما يباع المنتج في الأسواق بدولارين. فمن يأخذ فائض القيمة هذا وهو دولار واحد لكل منتج يباع في السوق؟ إن مالك المصنع، وهو صاحب رأس المال، هو من يجني فائض القيمة هذا، بينما لا يحصل العامل سوى على أجره اليومي فقط. وهكذا تتراكم ثروة صاحب رأس المال مع كل منتج يباع في السوق.

‏‎وحين تستخدم الآلة في المصانع تقل الحاجة للعمال فيتم تسريح قسم كبير منهم، ويضطر بقية العمال للقبول بأجر أقل من السابق، مما يضعف مستواهم المعيشي. وحين تنمو الشركات وتزداد الثروة وتكبر المصانع وتزداد المنافسة، تخسر المصانع والشركات الصغيرة وينتقل مالكوها تدريجيا الى سوق العمل بحثا عن عمل يعيشون بأجره، وهكذا تقل الطبقة الوسطى وتزداد الطبقة العاملة وتتضاعف منافستها على الوظائف المحدودة المتبقية.

‏‎ورغبة من الشركات والمصانع في زيادة أرباحها فإنها تعمد إلى الدعاية وتشجيع الإستهلاك مما يزيد في تكلفة المنتج ويشجع العمال على الإقتراض لزيادة الإستهلاك. وهكذا تصغط الديون وأرباحها المستحقة على الطبقة الفقيرة مما يزيدها فقرا بينما تزداد الطبقة الغنية ثراء، وهكذا تتولد طبقية فاحشة في المجتمع.

‏‎

المناخ الديني:

‏‎كانت سلطة الكنيسة في القرون الوسطى «القرن الخامس الى القرن الخامس عشر الميلادي» دينية ودنيوية. وقد لعب البابا دور الوسيط بين الملوك الاوربيون أحيانا. وسمحت هذه المكانة للبابا عام 1094 للدعوة الى الحروب الصليبية والتي استمرت متقطعة لأكثر من مائتي عام.

‏‎وقد دعت الكنيسة المسيحيين الى الإيمان بالإنجيل وبنظريات العلماء الأقدمين كاعتبار الأرض مركز الكون مثلا، وأعتبرتها جزءا من العقيدة المقدسة وأقامت محاكم التفتيش لمعاقبة العلماء الجدد الغير مؤمنين بها. كما وانتشرت الرشوة وضرب الفساد الأخلاقي والمالي الكنيسة، وأستحدثت صكوك الغفران.

‏‎وقد ثار لوثر الألماني «1483 - 1546» في حركته الإصلاحية على الكنيسة الكاثوليكية متحديا فساد الكنيسة وصكوك الغفران، ودعى الجميع الى قراءة الإنجيل بلغاتهم القومية بدلا من الإعتماد على قراءة الكنيسة باللغة اللاتينية. وبعدها برز كاليفن كقائد بروتستانتي آخر فتوزعت البروتستانتية بين اللوثرية والكاليفنية. وقد عمت اوروبا الكثير من النزاعات الدينية والحروب الطائفية وسفكت الكثير من الدماء في القرن السابع عشر.

‏‎وقد أهتزت ثقة الكثير من الناس بالكنيسة خاصة بعد ثورة الاكتشافات العلمية ونجاح الحركات التي طلبت من الكنيسة ان تنكفئ على نفسها وتمتنع عن التدخل في الأمور العلمية والحياة الإقتصادية والإجتماعية. وفي هذه الأجواء المشحونة على الكنيسة، برزت بعض النظريات المنكرة لوجود الخالق والمؤلهة للطبيعة. ومنها نظرية دارون للإنتخاب الطبيعي ونظرية فيورباخ المادية وغيرهم.

‏‎في هذا المناخ الفكري والإقتصادي والديني عاش كارل ماركس «1818 - 1883» وزميله فريدريك إنجلز «1820 - 1895» ووضعا نظريتهما عام 1848م، وسنستعرض هذه النظرية والردود عليها مستقبلا إن شاء الله.

رئيس جمعية مهندسي البترول العالمية 2007
والرئيس التنفيذي لشركة دراغون اويل سابقا.