آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:02 م  بتوقيت مكة المكرمة

حكايات مقاتل الطالبيين

بعد أربعينَ يوماً من القطعِ عادَ رأسُ رأسِ الطالبيين، الحسين ، سنةَ 61 هجرية وغفا معه في لحدٍ واحد جانبَ النهر الذي قطع بالقرب منه وشفتاه ذابلتان! الآن يستطيع جدهُ النبي ﷺ أن يضع شفتيه عليه ويقبل منحره الأبيض كما فعل به من قبل.

كتبَ أبو الفرج الأصفهاني المرواني الأموي كتابه ”الأغاني“ في القرنِ الرابع الهجري، وجمع فيه الأغاني المتميزة في عصره والعصور السابقة عليه مع ذكره لطرائقِ الغناء فيها. ثم تبع ذلك بشروحٍ وتعليقات لما تحويه هذه الأصوات من أشعار وإشارات. وقد استغرق تأليف الكتاب زهاءَ خمسين عامًا وكان هدفه الإمتاع. لكن الأصفهاني أيضاً كتبَ كتاباً آخر من أكثر الكتبِ حزناً وإيلاماً في فنونِ مقاتلِ الطالبيين الذين حظوا بها وماتوا بالسيفِ أو السم أو في السجن أورد فيه أخبارَ خمسمائة نفرٍ من شهداء آل أبي طالب ، ابتداءاً من جعفر بن أبي طالب وانتهاءاً بمن خرج على الحكمِ في عهد بني أمية والعباسيين.

كتاب ”مقاتل الطالبيين“ جمع من أخبار الطالبيين ما يبكي الصخرَ الأصم ليس فقط في القتلِ والتعذيب بل في نظري أقساها كانت أخبار خشونةِ وقسوة الأيام التي لاقاها الطالبيون قبل موتهم. من حكايات الطالبيين قصة عيسى بن زيد، ولقبه موتم الأشبال وذلك لقتلهِ أسداً له أشبال قعدَ على طريقِ الناس، فلقب بموتم الأشبال أي ميتّم أشبال الأسد. مدحه أبو الفرج مدحاً بليغاً وقال: كان عيسى أفضلَ من بقي من أهله ديناً وعلماً وورعاً وزهداً وتقشفاً وأشدهم بصيرةً في أمره ومذهبه مع علمٍ كثير، وقد روى عن أبيه وجعفر بن محمد ‏. حكاية عيسى من الأخبار التي كلما قرأتها جرحتني أكثرَ من حد السيف:

حضر عيسى في جيشِ محمد وابراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن فلمّا قتلا اعتزل الناسَ واختفى في بيتِ عليّ بن صالح بن حيّ بالكوفة وأخفى نسبه عن الناسِ حتى مات. وفي الأيام التي كان مختفياً قال يحيى بن الحسين بن زيد وعلى قول صاحب عمدة الطالب، محمد بن محمد بن زيد قلت لأبي: يا أبة انّي اشتهي أن أرى عمِّي عيسى بن زيد فانّه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه، فدافعني عن ذلك مدّة وقال: انّ هذا أمر يثقل عليه وأخشى أن ينتقلَ عن منزلهِ كراهيةً للقائك إيّاه فتزعجه.

فلم أزل به أداريه وألطف به حتى طابت نفسه لي بذلك، فجهزني إلى الكوفة وقال لي: اذا صرتَ إليها فاسأل عن دورِ بني حيّ فإذا دُللت عليها فاقصدها في السكةِ الفلانية وسترى في وسطِ السكة داراً لها بابٌ صفته كذا وكذا فاعرفه واجلس بعيداً منها في أوّل السكة، فانّه سيقبل عليك عند المغربِ كهلٌ طويل مسنون الوجه قد أثر السجودُ في جبهته عليه جبةُ صوف يستقي الماءَ على جمل وقد انصرف يسوق الجملَ لا يضع قدماً ولا يرفعها الّا ذكر اللّه عزَّ وجل ودموعه تنحدر، فقم وسلّم عليه وعانقه فانّه سيذعر منك كما يذعر الوحش، فعرّفه نفسك وانتسب له، فانّه يسكن إليك ويحدثك طويلا ويسألك عنّا جميعاً ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسكَ معه ولا تطل عليه وودّعه فانّه سوف يستعفيكَ من العودةِ إليه فافعل ما يأمرك به من ذلك، فانّك إن عدتَ إليه توارى عنك واستوحشَ منك وانتقلَ عن موضعه وعليه في ذلك مشقة.

فقلت: أفعل كما أمرتني، ثم جهّزني الى الكوفة وودعته وخرجت، فلمّا وردتُ الكوفةَ قصدت سكةَ بني حي بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرفت البابَ الذي نعته لي، فلمّا غربت الشمس إذ أنا به قد أقبل يسوق الجمل وهو كما وصف لي أبي لا يرفع قدماً ولا يضعها الّا حرك شفتيه بذكر اللّه ودموعه ترقرق في عينيه وتذرف أحيانا.

فقمت فعانقته فذعر منّي كما يذعر الوحشُ من الانس، فقلت: يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد ابن أخيك، فضمّني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه، ثم أناخَ جمله وجلس معي فجعل يسألني عن أهلهِ رجلاً رجلاً وامرأةً امرأة وصبياً صبيا وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي. ثم قال: يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء فأصرف ما اكتسب، يعني من أجرةِ الجمل إلى صاحبه وأتقوت باقيه وربما عاقني عائقٌ عن استقاءِ الماء فأخرج الى البرية، يعني بظهر الكوفة، فالتقط ما يرمي الناسُ به من البقولِ فأتقوته.

وقد تزوّجت الى هذا الرجل ابنته وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت منّي بنتاً فنشأتْ وبلغت وهي أيضاً لا تعرفني ولا تدري من أنا، فقالت لي أمها: زوج ابنتك بابن فلان السقاء لرجل من جيراننا يسقي الماء فانّه أيسر منّا وقد خطبها، وألحّت عليّ فلم أقدر على أخبارها بانّ ذلك غير جائز ولا هو بكف‏ءٍ لها فيشيع خبري، فجعلت تلح عليّ فلم أزل استكفي اللّه أمرها حتى ماتت بعد أيام فما أجدني آسي على شيء‏ من الدنيا أسايَ على انّها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول اللّه ﷺ.

قال: ثم أقسمَ عليّ أن انصرف ولا أعود إليه وودعني، فلمّا كان بعد ذلك صرتُ الى الموضعِ الذي انتظرته فيه لأراه فلم أره وكان آخر عهدي به‏.

روى أبو الفرج عن خصيب الوابشي وكان من أصحاب زيد بن عليّ وكان خصيصا بعيسى بن زيد، قال: استتر عيسى بن زيد بالكوفة في دار عليّ بن صالح بن حيّ، فكنّا نصير إليه حال خوف وربّما صادفناه في الصحراءِ يستقي الماءَ على جملٍ لرجلٍ من أهل الكوفة، فيجلس معنا ويحدّثنا. وكان يقول لنا: واللّه لوددتُ انّي آمن عليكم هؤلاء فأطيل مجالستكم فأتزود من محادثتكم والنظر إليكم، فو اللّه انّي لأتشوقكم واتذكركم في خلوتي وعلى فراشي عند مضجعي، فانصرفوا لا يشهر موضعكم وأمركم فيلحقكم معرة  وضرر.

مستشار أعلى هندسة بترول