آخر تحديث: 14 / 11 / 2019م - 11:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإنجاز بين الفرد والمجتمع «الجزء الثالث»

من المسؤول عن الإنجاز وصناعة الحضارة، هل هو الفرد او المجتمع؟

استعرضنا في الجزء الأول النظرية الأولى وهي النظرية الرأسمالية التي نصت على أصالة الفرد وأنه هو المسؤول عن صناعة الحضارة، ثم ذكرنا في الجزء الثاني المناخات الفكرية والإقتصادية والدينية التي ولدت فيها النظرية الثانية وهي الماركسية. وسنتحدث هنا عن بعض أفكار الماركسية وسنكمل الحديث عنها في الجزء الرابع إن شاء الله.

المادية الجدلية:

أكدت فلسفة هيغل الجدلية دور الوعي الفكري في صناعة الواقع، حيث ينتقل الفكر بين المتناقضات ويركب بينها وصولا الى الفكرة المطلقة، والتي عرفت بالفلسفة المثالية. ثم جاءت مادية فيورباخ غير بعيدة عن فكرة ذرية المادة التي بشر بها الفيسلوف اليونان «الضاحك» ديموقريطس «370 ق. م - 460 ق. م» والتي ترى أن المادة تتكون من أجزاء متجانسة صغيرة جدا لا يمكن تقسيمها. وقد دعمها الفيسلوفان هيوم ولوك حيث أكدا أن إدراك الإنسان يتم عبر التجربة والمشاهدة بالحواس ثم البناء عليها في نظريات علمية. وهكذا خالف فيورباخ أستاذه هيغل حيث رأى أن التطور الإنساني يتم عبر صراعه المادي وليس عبر صراعه الفكري كما يرى هيغل. ولكن فيورباخ تحدث عن الإنسان المجرد بصورة عامة، ولم يتعرض لحركة الإنسان الإجتماعية. فجاء كارل ماركس لينزل بأفكار فيورباخ الى حركة المجتمع والتاريخ، مؤكدا أن الواقع الإجتماعي هو الذي يصنع وعي الإنسان وهذا عكس ما يراه هيغل بأن الوعي هو الذي يصنع الواقع الإجتماعي.

بإختصار، ترى الماركسية أن الكون مادي ويتحرك ويتطور تبعا للقوانين العلمية المادية وليست تبعا للقوانين الغيبية وكذلك تتطور حركة المجتمع والتاريخ. لذلك يجب تطبيق القوانين العلمية على حركة المجتمع والتاريخ، ومن هذه القوانين التي يجب تطبيقها قوانين الجدل المادي.

الفرد والمجتمع في نظر الماركسية:

ترى الماركسية أن الإنسان كائن إجتماعي منتج، فالعمل والإنتاج لتحقيق حاجاته اللا متناهية هو مايميز الإنسان عن باقي الحيوانات. كما أن لدى الإنسان قدرة ذهنية على التجريد، أي النظر الى ماحوله بهدف تحويله الى منتج يستفيد منه، فحين ينظر الى جذع الشجرة ينتقل ذهنه الى التفكير في صناعة الكرسي والأثاث وغيره.

والإنسان في نظر الماركسية هو مجموع علاقاته الإجتماعية مع بقية أفراد المجتمع، وهو أيضا أحد وسائل الإنتاج المهمة بالإضافة الى الأرض والمواد الخام. ولذلك تربطه مع بقية وسائل وقوى الإنتاج علاقات يسميها ماركس بعلاقات الإنتاج كالملكية الفردية وطرق توزيع الثروة والتي تعتمد على وسائل الإنتاج الموجودة في المجتمع. وفي كل حقبة تاريخية تتطور وسائل الإنتاج وينقسم المجتمع الى طبقات حسب موقعهم وعلاقاتهم في العملية الإنتاجية.

قوانين الجدل المادي:

وهي ثلاثة قوانين تنطبق على الطبيعة كما تنطبق على حركة التاريخ:

أولا: وحدة وصراع الأضداد وهي أن كل ظاهرة في الوجود تحمل بذرة فنائها، اي تحمل ضدها ونقيضها بداخلها، مما يجعلها في حالة صراع مع نقيضها. وينتج عن هذا التناقض والصراع الداخلي، حالة تغير وحدوث مستمرة. وهذا الصراع قد يكون تناحريا كما هو بين الماء والنار او غير تناحري كما هو بين الأقارب.

ثانيا: تتراكم التغيرات الكمية حتى تصل الى درجة يصبح عندها التغير الكيفي حتميا. والمثال هو إرتفاع درجة حرارة الماء مع التسخين تدريجيا حتى يصل الى درجة الغليان فيتحول من حالته السائلة الى حالته الغازية كبخار ماء. ومعيار التحول هنا هو بلوغ الحرارة درجة الغليان. وهكذا ينشأ صراع جدلي بين حالة الماء السائلة السائدة حاليا وبين رغبة بعض جزيئات الماء للتبخر نتيجة الحرارة ويبقى هذا الصراع حتى يتبخر الماء.

ثالثا: نفي النفي «او سلب السلب» وتعني استمرار التغير والتطور من مرحلة الى آخرى كحالة لولبية تتكون من حلقات متصاعدة يدخل بعضها في البعض الآخر وليست كخط طولي متصاعد. فكل مرحلة تنفي سابقتها لتأتي المرحلة التي تليها فتنفيها. وتحوي كل حلقة من اللولب المتصاعد الحالة السائدة وبداخلها بقايا الحالة السابقة كضد سلبي يحاول الرجوع الى الحالة السابقة، وكذلك تحوي بذور الحالة القادمة كضد إيجابي يحاول التغير الى الحالة التالية. وحين ننتقل الى الحلقة التي تليها تتكرر حالة الصراع حيث تصبح الحالة التالية هي الحالة السائدة. ويضرب إنجلز مثالا على ذلك بمراحل تطور الفراشة حيث تنتقل من مرحلة البويضة الى الشرنقة ثم الى الفراشة الكاملة.

تطور وسائل الإنتاج عبر التاريخ:

بدأ الإنسان حياته البدائية بإستخدام يديه في عملية الإنتاج، ثم صنع الأدوات الحجرية للصيد، ثم القوس والسهام الحجرية للدفاع عن نفسه وللصيد، ثم المطرقة، ثم الفأس والمحراث اليدوي للزراعة، ثم العجلة والعربة التي تجرها الحيوانات، ثم السفن الشراعية، ثم الآلة البخارية والماكينة والسفن والقطارات البخارية، ثم ماكينة الإحتراق الداخلي، ثم الكهرباء والسيارة، ثم الحاسب الآلي والأنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي والروبوت والذكاء الإصطناعي.

حقب الحركة التاريخية لدى الماركسية:

عاش الإنسان تاريخيا عبر المراحل التالية تبعا لتطور وسائل الإنتاج:

المشاعية البدائية: بدأ الإنسان حياته البدائية في الصيد، حيث كانت علاقاته بسيطة وغير معقدة فلم تكن هناك كما يزعم ماركس ملكيات فردية. وتطورت الحياة تدريجيا فتعلم الإنسان الرعي ثم الزراعة، أي كيف يحرث الأرض ويزرع البذور ويرويها ثم يجني المحصول ويجري عملية تبادل مع غيره من الناس فيبادل محصوله برؤوس الأغنام مثلا.

العبودية: أثناء الفترة اليونانية والرومانية، ملك بعض الأسياد آلاف العبيد وسخروهم في الزراعة دون حرية او أجر مادي.

الإقطاعية: ملك بعض الأستقراطيين الأراضي الكبيرة وعمل معهم الآخرين مقابل أجور زهيدة، وهذه هي حالة آوروبا في العصور الوسطى قبل القرن الخامس عشر الميلادي.

الرأسمالية: أنشأت المعامل وأستخدمت الماكينة، وألتحق البعض بهذه المعامل كطبقة عاملة بأجر يومي او شهري بينما يحصل صاحب المصنع على فائض القيمة بعد بيع المنتج في السوق. وهذه هي الحالة السائدة الآن في أغلب الدول الغربية.

الشيوعية: ماتبشر به الماركسية مستقبلا، وهي المرحلة التي تنتصر فيها الطبقة العاملة وتلغى فيها الملكية الفردية وتنتفي فيها الطبقية.

البنية التحتية والبنية الفوقية لدى الماركسية:

يرى ماركس، أن وسائل الإنتاج في الطبيعة تؤسس علاقات إنتاج تتناسب معها. ويعتبر وسائل وقوى الإنتاج ومعها علاقات الإنتاج البنية التحتية في المجتمع، والتي تقوم عليها البنية الفوقية التي تتناسب معها وتتمثل في العلاقات الإنسانية كالفن والدين والأخلاق. ويبقى الإنسان مؤثرا ومتأثرا بوعيه في العملية الإنتاجية فيخترع ويبتكر ويؤسس لقوى ووسائل انتاج جديدة ولكنها تعود فتفرض عليه علاقات انتاج جديدة تحكمه وتؤثر فيه.

إن حجر الزاوية ومحور التغيير الإجتماعي هو تطور البنية التحتية من وسائل الإنتاج ومايتبعها من تغير في علاقات الإنتاج كالملكية الفردية وطرق توزيع الثروة، ونتيجة له تتغير البنية الفوقية كالأفكار والثقافة والأدب والأخلاق فتفرض نفسها على الإنسان كفرد من أفراد المجتمع. فالتغيير يحدث في البنية التحتية من وسائل وعلاقات الإنتاج وهو الذي يسبب التغيير في البنية الفوقية من أفكار الإنسان ووعيه وليس العكس. وكما يقول الماركسيون: إن واقع الإنسان الإجتماعي هو الذي يصنع وعيه وليس العكس، وهذا هو لب المادية.

بقي علينا أن نتحدث في الجزء الرابع عن: المادية التاريخية، وتطبيق الماركسية على الإقتصاد الرأسمالي كمثال عملي، وأخيرا التقييم الموضوعي للنظرية الماركسية بناء على فلسفتها الفكرية وتطبيقها العملي طيلة القرن الماضي، والحمد لله رب العالمين.

رئيس جمعية مهندسي البترول العالمية 2007
والرئيس التنفيذي لشركة دراغون اويل سابقا.