آخر تحديث: 14 / 11 / 2019م - 11:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

المظاهر.. التطور

محمد أحمد التاروتي *

يخلط البعض بين المظاهر والتطور، اذ يعتبر الملبس الباهض الثمن دلالة على التطور والتقدم، فيما يرى التمسك بالموروث الثقافي ظاهرة سلبية، باعتبارها مظهرا من مظاهر التخلف، وعدم مسايرة التطور الحاصل في مختلف الأصعدة، مما يدفعه لانتهاج سياسة التصادم، والرفض التام لجميع اشكال الموروث الثقافي، فضلا عن الدعوة الصريحة للانسلاخ التام عن بعض التقاليد الاجتماعية، كونها من أسباب التخلف والبقاء في مؤخرة الركب.

الاهتمام بالمظاهر امر مطلوب، باعتبارها استجابة طبيعية للغرائز والرغبات الإنسانية، لاسيما وان ايقاعات العصر تفرض استخدام الأساليب الحديثة، في مختلف مناحي الحياة، بيد ان التطرف في اتخاذ المظاهر مسلكا ومنهاجا في الحياة، يضع علامات استفهام كبرى، فيما يتعلق المرتكزات الثقافية التي تنطلق منها هذه الشريحة الاجتماعية، مما يستدعي وضع ضوابط قادرة على إعادة الأمور للوضع الطبيعي، وبالتالي فان النظرة السلبية للموروث الثقافي، تكشف قصورا في التعاطي مع الأمور بعقلانية وحكمة.

على الطرف الاخر، فان رفض المظاهرة الحديثة، والوقوف امام استخدام هذه الأدوات، في تطوير الموروث الثقافي، يكشف حالة من العداء غير المبرر تجاه الأطراف الداعية، للتجديد بعيدا عن التمسك بالماضي، خصوصا وان الوقوف امام دعوات الاستفادة من المظاهر على اختلافها، سواء على الصعيد الشخصي او الاجتماعي، يسهم في زيادة الفجوة واتساع دائرة الخلاف بين الأطراف المتباينة، وبالتالي فان ردود الأفعال المتطرفة تواجه بمواقف، لا تقل تطرفا في الغالب، نظرا لمحاولة كل طرف الدفاع عن مصالحه، ووجهة نظره تجاه مختلف القضايا الشائكة.

اختلاف وجهات النظر في جميع القضايا الجوهرية، عملية طبيعية وليست مستغربة، خصوصا وان الاختلاف يسهم في انضاج الأمور، وإخراجها بطريقة اكثر واقعية، بيد ان مصادرة الرأي الاخر، تكون في بعض الأحيان منطلقة من الضعف، في مواجهة الطرف المقابل، وأحيانا أخرى مرتبطة بالوضع الاجتماعي المعقدة، لاسيما وان القاعدة الشعبية تدفع باتجاه التطرف في الآراء، او انتهاج سياسة تقبل الآراء الأخرى، وبالتالي فان اتجاهات الآراء ليست مرتبطة بقناعات أصحاب الحل والعقد، بقدر ارتباطها بالقواعد الشعبية الضاغطة.

محاولة التوفيق بين المظاهر والموروث الثقافي، عملية أساسية ومطلوبة على الدوام، لاسيما وان سياسة رفض الماضي بشكل كامل، ينم عن وجود خلل في التركيبة العقلية، والمنهجية العلمية، وكذلك الامر بالنسبة لمحاولة نسف أصحاب دعوات التجديد من البيئة الاجتماعية، خصوصا وان الجميع على اختلاف تواجهاتهم جزء من النسيج الاجتماعي، وبالتالي فان كل طرف يمتلك القدرة على التعبير عن وجهات نظره بالطريقة المناسبة، مما يدفع باتجاه إيجاد حالة من التوافق والانسجام، عبر صهر مختلف الآراء المتباعدة في بوتقة واحدة، بهدف اخراج تصور قادر على الحياة، ومواجهة التيارات الأخرى المتطرفة.

امتلاك الوعي والقدرة على الاستفادة من الأدوات المتعددة، في سبيل الحفاظ على الموروث الثقافي، امر بالغ الأهمية، لاسيما وان التفريط في الحفاظ على الموروث الثقافي، يفقد المجتمع الهوية، ويسلبه القدرة على الصمود، في مقارعة التحديات المستقبلية، خصوصا في ظل التنافس الكبير بين الموروث الثقافي، ودعوات الانسلاخ عن الماضي، فالتحدي يفرض إيجاد حالة من التوازن، القادر على تجاوز الافخاخ، التي تنصب في طريق الموروث الثقافي، من لدن بعض الأطراف، الساعية لافراغ المجتمعات من الكنوز الثقافية، المتوارثة عبر الأجيال الماضية.

المظاهر ليست دائما مقرونة بالتطور، ولكنها ليست مرفوضة على الدوام، فالتطور مرهون بتوافر عناصر وأسباب كثيرة، سواء على الصعيد البناء الذاتي للفرد، او خلق المناخ الإيجابي في المجتمع، بيد ان المظاهر تمثل الوجه الظاهر للتطور، ولا تمثل الجوهر الحقيقي، القادر على احداث التغييرات الجذرية، في بنية التفكير الاجتماعي.

كاتب صحفي