آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

الأخيرة

الأمتارُ الأخيرة، الثواني الأخيرة، والمحطات الأخيرة هي أثمن ما في الوجود. فيها يتدفق الدم أقوى في كلِّ عروقنا ليكون ناتجها أجود ما في الحياة. أكاد أجزم أن أعذبَ السيمفونيات وأرق القصائد وأروعَ المقالات، وأبدع النظريات الفلسفية أتت في آخرِ محطات حياة من كتبوها وفي الشوطِ الأخير منها.

كل يوم تشرق فيه شمسُ الحياةِ على الوجود نفرح حين تتناغم قوةُ العقل وقوةُ الجسد لكن أنَّا لهما ألاَّ يفترقا! ومن اللطفِ أنَّ العقلَ آخر ما يبقى لنا حين يتهاوى صرحُ الجسد. بل يأتي اللطفُ أشد حين ينحف الجسد ويتعب، إذ يبقى العقل يقاوم وينمو حتى آخر لحظةٍ من لحظاتِ الحياة، يستمر ويختزن التجاربَ وينظر في كل شيءٍ يمكنه النظر فيه دونَ أن تنصرفَ طاقته كلها للحمِ والعظم. يبتدع الجديدَ ويكمل ما لم يكتمل من القديم.

ليست الستين أو السبعين سنة عذاراً أن نتكئَ عليها وندفن عقولنا في وقت نضارتها قبل أن ندفن الجسد، فلقد دلت أبحاثُ الأطباء وسيرةُ إنجازات البشر أن أدمغتنا تتحول وتتكيف لكنها لا تتوقف عن النموِّ والحركة ويصح القول عنها أنها لا تكتمل أبداً، وتخفي من الأسرار ما لا نستطيع معرفته عن أنفسنا. من المؤكد أن رقةَ المشاعر والوصال مع البشر وقراءةَ ما يكتبون من علومٍ وفنون يساعد أدمغتنا في تنشيطِ أجزاءٍ لا تنشط في غيرِ هذه الأحوال.

اليوم نعيش في ظاهرةٍ فريدة، ما يُحيي الجسد من الدواءِ والغذاء ثمنه غالٍ لا يستطيع أن يحصل عليه الجميع، ودواء العقلِ والفكر دون ثمن، بينما السم والتفاهة التي تميت العقلَ والفكر تكلف البشرية كثيراً من ثروتها ومستقبل أجيالها. تحكم الأرضُ على معظمِ ساكنيها الفقراء بالعملِ ليلَ نهار يجهدون طول أعمارهم لكي يحصلوا على أساسياتِ البقاء من غذاءٍ وماء، ومن تعطيه فسحةً من العيشِ لا يبالي!

في سير البشر هناكَ من مروا في التاريخِ قبل قرون، ولا يزال غيرهم في الحاضرِ المستقبل يدرس آثارهم. هؤلاء الناس لم يشتروا الفكرَ والعقلَ بالأرطالِ من الحوانيت، إنما ابتاعوه بالسهرِ والتعب في ضوءِ القمر. ولم يأتيهم المالُ كالمطر الذي لا ينقطع بل عملوا وشقوا مثلهم مثل غيرهم، وربما كان عيشهم أكثرَ خشونةً من غيرهم. هؤلاء من كان الربع الأخير من حياتهم لا يقل قيمةً عن الربعِ الأول!

من نعمِ الله علينا أن طالت أعمارنا في العصرِ الحديث فما كنا نعده الربعَ الأخير أصبح الثلثَ الاخير يمتد لسنواتٍ عديدة يعيش فيه أناسٌ أكثر معرفةً من أجيالٍ مضت، فلابد أن نملأ هذه السنوات ولو بسلةٍ متواضعةٍ من الإنجازاتِ تتحدى وتتعدى الحدَّ الأدنى والمطلوب لنسجلَ بها حضوراً ولو رمزياً في آخرِ صفحةٍ من التقدمِ المجتمعي والبشري!

مستشار أعلى هندسة بترول