آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

مََن يصنع الفقر والجوع أويذكيهما في الدول النامية؟

بسام المسلمي

تعهدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، 191 دولة، في سنة 2000 بالقضاء على الفقر تماماً بحلول عام 2015. ولكن، وعلى الرغم من تضافر التكنولوجيا والاقتصاد العالمي الذي نما منذ الحرب العالمية الثانية بمعدل 30 ضعفاً، إلا أن الملايين لا يزالون يرزحون تحت وطأة الفقر. وقد ذكرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة لهيئة الأمم المتحدة بأن عدد الأشخاص الواقعين في براثن الفقر قد ارتفع منذ 2014. وفي إحصائية أخرى، فإن حوالي ملياري إنسان، من أصل 7,67 مليار وهو عدد سكان العالم الحالي تقريباً، يعاني من سوء التغذية في العناصر الصغرى ”الجوع الخفي“.

ووفقاً لبعض التقارير، فإن الحروب والتغير المناخي كالفيضانات العاتية والجفاف المفرط بالإضافة إلى ارتفاع منسوب مياه البحر وعوامل أخرى اقتصادية وتجارية تقف وراء معظم هذا الوضع المتدهور. ولكني سأكتفي - هنا - بالحديث عن عامليْن ساهمت الدول الصناعية في تنشيطهما وإثارتهما بشكل واضح، وهما الحروب والتجارة العالمية الحرة وما يرتبط بها من أمور اقتصادية. وسأبدأ بالحروب التي لم تتوانَ الدول الصناعية في ”تدويلها“ من أجل استغلالها وتجييرها لصالحها بتموينها بالذخائر والأسلحة اللازمة بكافة أنواعها. ففي 2017 كان في أفريقيا، على سبيل المثال، سبعة حروب جارية في مالي ونيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأثيوبيا والصومال وجنوب السودان. وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإن أكبر دولة أفريقية مستوردة للسلاح من العام 2013 إلى 2017 هي الجزائر التي تشكل وارداتها من الأسلحة ما نسبته 52% من واردات السلاح الأفريقية والتي تستورد أسلحتها بشكل رئيس من روسيا. وتأتي المغرب التي هي جارة للجزائر والمنافس لها في المرتبة الثانية. فهي تستورد ما نسبته 12% من واردات السلاح الأفريقية يأتي معظمه من فرنسا. وعلى العموم، فإن روسيا والصين والولايات المتحدة كانت أكبر ثلاثة دول مصدرة للسلاح في أفريقيا كلها في تلك الأعوام. ف ”تدويل“ النزاعات الداخلية وإذكائها بتوفير الأسلحة من الدول الرائدة عالمياً في بيع وتصدير الأسلحة والتي تقف في مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا هو الذي دفع ما يفوق 65 مليوناً ليتركوا ديارهم وأوطانهم ليخلق بذلك فقراً جديداً وليزيد من نمو الفقر الموجود أصلاً ثم ليفاقم من حالة الجوع في نهاية الأمر.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التجارة الحرة بين الدول المتقدمة والدول النامية، عرضت منتجي الدول النامية لمنافسة ساحقة مع أقوى الشركات الجشعة العابرة للحدود التي تنتمي غالباً للدول المتقدمة. فالتجارة الغذائية، مثلاً، بين الاتحاد الأوروبيّ وأفريقيا هي التي أفقرت العمال في أوروبا وحطمت إنتاج أفريقيا لتجعل من سكانها فقراء ولاجئين بعد أن كانوا في وضع اقتصادي جيد. فنظام الدعم للإتحاد الأوروبي يسمح بإغراق أفريقيا بآلاف الأطنان من الأغذية المدعومة للغاية ما يمنع المنتجين الأفارقة من بيع وتصدير منتجاتهم بسبب عدم قدرتهم على منافسة تلك الأسعار المنخفضة التي يوفرها الاتحاد الأوروبي. ولذلك، فإن أفريقيا حالياً تستورد ما يزيد على 80% من غذائها بعدما كانت مكتفية ذاتياً من ناحية الغذاء في زمن ليس ببعيد. فموزمبيق على سبيل المثال، تخسر 70 مليون جنيه كل عام - أي ما يعادل إجمالي ميزانيتها الوطنية للزراعة - بسبب القيود المفروضة عليها للتصدير لأوروبا، وبسبب إغراقها بواردات أوروبا الزراعية الرخيصة. وفي السنغال وغانا، خسر مربو الدجاج حصتهم السوقية تماماً لصالح منتجات الدواجن الأوروبية التي تجمد أوراك وأجنحة الدجاج غير المرغوب فيها في الإتحاد الأوربي وتبيعها بنصف سعرها في تلك الدولتيْن. وفي كتابه ”فرص العولمة“ الصادر سنة 2006، انتقد ”جوزيف ستيجلز“، الحاصل على جائزة نوبل والموظف السابق في البنك الدولي، التجارة الحرة وقال مندداً بأنها لم تؤدِ إلى ازدهار أكبر على الإطلاق. وهذا، بالنتيجة، ما دفع الكثير من الأفارقة إلى ترك أوطانهم لطرق أبواب الدول الأوروبية وغيرها من الدول، التي لم - وربما لن - ترحب بهم في كثير من الأحيان، من أجل تحسين أوضاعهم الاقتصادية.

فكل طرق الفقر والجوع في الدول النامية تؤدي وتشير إلى الدول المتقدمة صناعياً، التي أذكت تلك الحروب التي ولَّدت الفقر والجوع أو ساهمت في تعزيزهما وتضخمهما بما تصنعه وتصدره من أسلحة لتلك الدول المتحاربة. وكذلك، فإن ما تقوم به تلك الدول من استغلال تجاري ومالي للدول النامية عن طريق العولمة والتجارة الحرة بما تمتلكه سلطة صنعها رأس المال مهَّد الطريق واختصره أمام الفقر والجوع. وبدلاً من أن تقف تلك الدول في وجه الجوع والفقر وتنتشل الغارقين من الناس فيهما، وضعت الزيت على نار الفقر والجوع لتحرق جميع دول العالم الثالث دولة تلو أخرى. ف ”لو كان الفقر رجلاً“، لحمته ودافعت عنه الدول المتقدمة، ولو كان الجوع ورماً سرطانياً لغذته ورعته حتى يستشري في جسم الدول النامية. كل ذلك كان، طبعاً، من أجل مصالحها وأطماعها الذاتية التي ليس لها نهاية والتي تسحق في سبيلها كل من يقف في وجهها.