آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحرص من الآباء الأوفياء والقلق من الأبناء

أمير الصالح

سوء الخيارات الفردية اللحظية وعلاقتها بإستقرار الحياة قد تؤجج اضطرابات معينة في العلاقات البينية الأسرية. كل ما دفعه وسيدفعه الأب، لاسيما الأب المتزن والكيّس، من جهد ومال ووقت وتوجيه لتربية أبناؤه والحفاظ على أسرته هو بمثابة درهم وقاية وصنع لبنة اجتماعية سليمة في البناء الإجتماعي وخير من قنطار مال للعلاج. وأي أب يستخف بواجباته الأخلاقية نحو أسرته أو يهملها أو يكابر بالقول لابنائه حياتكم لكم وحياتي لي أو ينعزل عنهم أو يهرب من مسؤولياته التربوية هو منتحل لِلقب الأب أو أب بيولوجي فقط. الأب في عهدنا المعاصر وفي المجمل العام بعد ان يشب ابناؤه هو بين خيارين في التعامل معهم بناءً على المتغيرات الزمكانية:

الخيار الاول: الصدود التام عن ابنائه بمجرد ولوج ابنه السن القانوني أو انغماس الأب في مراهقته المتأخرة وهذا هو التوجه الرأسمالي البحت الذي يتقمصه البعض؛ وهذا السلوك له تبعاته النفسية والتربوية والاجتماعية والأمنية على الأبناء بالأساس والمجتمع كافة والوطن.

الخيار الثاني: الإستمرار من الآباء بالنصح والتوجيه والتربية والمساندة والدعم والتشجيع واستشعار أي خطر قد يقع على الأبناء لتنبيههم منه ودفعهم نحو الأعمال الصالحة والقيم العليا حرصا منهم لجلب الأفضل لأحبابهم. وإن لزم الأمر منه الاستمرار في الانفاق المالي الإكتواري على الأبناء المحتاجين للمساعدة وحسب الحاجة وفي نطاقات محددة تعينهم على صقل ذواتهم والوقوف على أرجلهم. وهذا اللون اي الخيار الثاني من التعامل يتناسق وروح النصوص الأخلاقية الواردة على لسان نبي الرحمة: «خيركم خيركم لأهله... الحديث».

يدرك معظم أبناء المجتمع انه مهما يكن الإبن فهو جزء من الأبوين وليس العكس، وعليه لابد من التوازن في التربية فلا إفراط ولا تفريط «التوازن». مع شديد الأسف سوء التربية والدلال الزائد أو الإهمال الزائد ينتج للمجتمع ابناء متواكلين وغير مؤهلين وعالة على المجتمع؛ ويدفع الآباء أو الأمهات إن عاجلا أو لاحقا سوء اعمالهم من الاهمال المتراكم او الدلال المفرط لسوء ما يقع به الابناء من سلوكيات غير محمودة أو متاعب أو اعمال اجرامية أو لصوصية أو سقطات اخلاقية.

كما يدرك معظم ابناء المجتمع ايضا انه مهما يتقلد الابن من مناصب او يستحصل من حريات أو املاك أو ثروات، فانه مُلزم أخلاقيا وعرفيا وقانونيا ودينيا بعدم اساءة استخدام تلكم النعم ضد الاخرين كالوالدين أو الزوجة أو الابناء؛ وعليه لابد من النضج والوعي في تسخير النعم فلا افراط ولا تفريط «التوازن».

مع شديد الأسف تورد الصحف الرسمية بشكل ملفت للانتباه اخبار تصاعد حالات الطلاق الجنونية وزيادة منسوب تنمر المراهقين في المدارس وغياب بعض الفتيات من بيوت أسرهن و.. و.. فهكذا أفعال سيزيد معدل حرص الآباء على انضباط الأبناء وفي ذات الوقت يزداد قلق الأبناء من مصادرة حرياتهم من الآباء تحت عناوين الحرص؛ وهنا قد تزداد مساحات النزاع أو الاختلاف بين جيل الآباء والأبناء.

وهكذا نزاع قد يتولد منه زيادة في الإنفاقات المالية الرسمية على هؤلاء الابناء والبنات من ضحايا الطلاق في المجتمع وسيؤدي الى تهشم الأواصر ونخر البناء الاجتماعي والوطني. في التحولات الزمكانية بين الأجيال النشيطة الممتلئة حيوية والاجيال الكبيرة في السن الراكدة، قد يكون من الحصافة إعداد برامج Can Do“ Approach " لاعطاء تصور يتوافق مع Driven - Result Oriented people للحفاظ على اداء المتميزين داخل الأسر والسعي لمواكبة الزمكان في اجواء تخلو من التشنجات أو الانشقاقات أو الانقسامات.

كل الآباء المخلصين يريدون بإخلاص وحرص حياة ناجحة لابنائهم في الدنيا والاخرة وكذلك كل الابناء الأوفياء يسعون بجد وإخلاص لإنجاز السعادة في معيشتهم والبر بوالديهم ورفع روح القلق والمخاوف..

لن يقبل الآباء الاوفياء لاسرتهم أن ينحرف أي فرد من عائلتهم تحت اي يافطة او موجه او شعار؛ ولا يقبلوا بإنفلات ابناءهم من القيود السلوكية المحمودة أو أن ينخرطوا في أعمال مشينة كالتفحيط أو ازعاج الآخرين حتى لو كانت تلكم الضوابط تمثل عائق من انطلاقات الفرد المفرطة في عالم اللهو والملهيات او التشدد والغلو.

وعليه يشجع التربويون واخصائي علم الاجتماع والتربية الأسرية ضرورة احتواء الابناء ان وجدوا داخل أسرهم ومكاشفة الأزواج فيما بينهم لطرق الحياة التي يودون أن يبنونها قبل تكوين أسرة وإنجاب أطفال. كما يحض التربويون على ضرورة التكيف مع معطيات الزمكان مع ما يتناسب وقناعات الاسرة وبطرق ملائمة وليس الكبت والحرمان.

نستشعر كأفراد انه من جميل نتاج جهود الآباء والأمهات المحسنين في تربية ابنائهم هو وجود افراد صالحين داخل المجتمع يبثون الفضيلة من الاخلاق ويسعون للتسويق لها ويعملون على توطيدها ويشعرون الانسان بالاطمئنان في الانتماء الاجتماعي ويعينون البلاد والعباد على النمو الاقتصادي والاستقرار الأمني وحفظ معدل الجريمة ومكافحة الرذيلة واستقرار الحياة لهم وللمحيط الإجتماعي.