آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 8:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

السر والبئر

تتجمع غيومُ أحزان الدنيا حتى يظنَّ البشر إنها سوف لا تنقشع، ولكي تظهر الشمسُ من وراء السحاب فليس إلاَّ الله والبئر. نشكو لغيرنا الهمَّ والبلوى وهم في ثلاث: منهم من نشكو الهمَّ له وهو لا يستطيع سوى أن يضيفَ للدمعِ دمعاً، ومنهم من يسمع دون أن يكترث لشكوانا، رأى وسمعَ كلَّ الشكاوى فلا ضير إن سمعَ أخرى فلن يستطيعَ لها دفعاً. وآخر يفرح لشكوانا فكأنَّ في ألمِ غيرهِ له مانعٌ من أن يأتيه ما أتى غيره. كل شكاوى الضعفاء ليس ينفع فيها إلا البئر، حين لا يَسمع صوتَ البشر وشكواهم فيها سوى الله ثم يأتي الجواب: لا تيأس، ولا تحزن فمن هو يسمعك في كلِّ مكانٍ، سوفَ يسمعكَ في البئر.

اهتدى العظماءُ والأولياء لإيداع نجواهم في البئر فلم يخيبوا. إذ اقتفى ميثم التمار أثرَ الإمام علي في ليلةٍ وهو بين نخيل الكوفة فوجده مطلعاً في البئرِ إلى نصفه يخاطب البئرَ والبئر تخاطبه فحسَّ به، والتفت إليه وقال: من؟ فأجاب: ميثم، فقال: يا ميثم ألم آمركَ أن لا تتجاوزَ الخطة؟ قال ميثم: يا مولاي خشيتُ عليكَ من الأعداءِ فلم يصبر لذلك قلبي، فقال: أسمعتَ مما قلتُ شيئاً؟ قال ميثم: لا يا مولاي فقال: يا ميثم:

وفي الصدرِ لباناتٌ

إذا ضاقَ لها صدري

نكت الأرضَ بالكفِّ

وأبديتُ لها سري

فمهما تنبت الأرضُ

فذاك النبت من بذري

يفرح العبادُ بتتبع أسرار بعضهم وليس إلا القليل يشجيه ما يشجيهم ويهبَّ لعونهم ونجدتهم إن استطاع، ويفرح الله الذي يعرف حاجتهم بأن يبثوها له في وحدتهم وفي خلوتهم ويقول: أنا أعرفها وسوف أقضيها.، لكننا نحن الضعفاء لا نصبر عن بثِّ شكوانا لمن لا يستطيع العون! نهتدي للشكوى من نوبِ الدهر للرفقاء الذين عرفناهم مدةً قصيرة، فنجزم أن السندَ والعون يكون على يدهم فلا يأتي، ولا نهتدي للبئر والله الذي عرفناهُ وجربناه قبل أن نرى ضوءَ الدنيا ونحنُ في أصلابِ الآباءِ وأرحامِ الأمهات.

رأى عليٌّ أن يعاكسَ عتمةَ الليلِ وظلمةَ البئر وضيق الصدر ويبث شكواه منفرداً عند اجتماعها، ولم يرد لرفيقه المخلص، ميثم، أن يعرف سره. وصفةٌ أملٍ لابد أن يركض نحوها ويركنَ إليها كل إنسانٍ يؤمن أن في ساعاتِ الضعفِ واليأس سوفَ تأتي قوةٌ من الغيبِ تقول: قم لا بأسَ عليك أيها الضعيف المسكين! فلمَ نحن لا نجربها؟

مستشار أعلى هندسة بترول