آخر تحديث: 15 / 11 / 2019م - 5:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

القرار الظالم

عبد الرزاق الكوي

بدأت قصة وعد بلفور قبل عشرين عام من إعلانه، فقد خططت الحركة الصهيونية لهذا المشروع منذ عام 1897، حيث عقدت مؤتمرها الافتتاحي في بازل في سويسرا بهدف إقامة دولة يهودية، واتجهت أنظارهم نحو فلسطين، حيث كانت فلسطين تحت الوصايا العثمانية التي بدأت تتفكك وأصبحت تسمى الرجل المريض وكانت بريطانيا تخوض معها حربا منذ عام 1914 على الإبراطورية العثمانية حيث استولى البريطانيون على اجزاء كبيرة من فلسطين ومع نهاية الحرب العالمية عام 1918، اصبحوا الحكام الفعليين لهذا المكان الغالي على قلوب المسلمين حيث منحت الأمم المتحدة عام 1920 لبريطاني ولاية على فلسطين، وبدأت الحركة الصهيونية تجذب المتعاطفين في اوروبا والولايات المتحدة وكانت بريطانيا ترغب إنشاء وطن يهودي في قلب العالم الاسلامي موالي لهم لاحتياجهم في ذلك الوقت لدعم اليهود مكن كل ذلك بدأ الهجرة الصهيونية بأعداد هائلة حتى أواخر الثلاثينات.

بعد مطالبات من الحركة الصهيونية وضغوط مستمرة كتب وزير الخارجية البريطاني أرثر بلفور في الثاني من نوفمبر عام 1917، رسالة إلى والتر روتشيلد وهو شخصية بارزة في المجتمع اليهودي البريطاني، معربا عن موافقة الحكومة البريطانية ودعمها إنشاء وطن لليهود في فلسطين وبدأ هذا الوعد المشأوم يأخد طريقه للتنفيذ ويصبح واقع على الارض، رغم ان بريطانيا ليس لها الحق وبهذا الظلم الواضح احتلت فلسطين وظلم أهلها وشرد شعبها في ارجاء الارض، في وقت كان لا يتعدى عدد اليهود في فلسطين %8 من عدد سكان فلسطين، كانت مساهمة خبيثة لأكبر قضية سياسية عسكرية معاصرة وما زالت مستمرة ففي نوفمبر 1947 صدر القرار الظالم بتقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين، واحدة لليهود وأخرى للفلسطينيين، ووضعت القدس تحت الوصايا الدولية.

استمر الدعم السياسي والعسكري والاستخباراتي الغربي بشكل عام وبريطاني بشكل خاص بتسهيل العدوان الصهيوني مع مرور اكثر من قرن من الزمن على هذه الجريمة النكراء، فكم كانت تبعات هذه الجريمة في حق الشعب الفلسطيني بتشريدهم من بلده ومن بقى يقاسي من الظلم الصهيوني والقتل على يد العصابات القادمة من اصقاع الارض تحمل معاول الهدم والظلم يندى لها جبين الانسانية.

فبدل ان تعترف بريطانيا بجريمتها بحق الشعب الفلسطيني تقدم المساعدات العسكرية والدعم في المحافل الدولية للكيان الصهيوني الظالم، فاليوم ملايين الفلسطينيين يعيشون في ارجاء العالم بدون وطن يضمهم محرومين ان تكون لهم هوية ويعيشون فيه حياة كريمة مثل باقي شعوب العالم.

فهده هي الدول التي تتحدث عن حماية حقوق الانسان وتقرير المصير ما هي الا شعارات مزيفة حق يراد به باطل، فدولة تنهب وشعب يشرد على امتداد هذا العمر وتصر بريطانيا بالاحتفال بهذا اليوم كأنجاز على جرائم حرب وابادة في حق شعب اعزل تنكيل وتعديب وبطش وسرقة خيراتهم، لا زالت بريطاني تشعر بالفخر على قرارها.

فلسطين تاريخ عريق ومميز ارض الأنبياء والرسل ومهوى القلوب شهدت حضارات عريقة وذات موقع استراتيجي ومكانة دينية عظيمة تعتبر الممر البري الوحيد الذي يربط اسيا وأفريقيا واروبا وتحتوي المسجد الأقصى مما جعلها مطمع الغزاة والمحتلين البريطانيين وتسليمها من قبلها الى اليهود وتشريد سكانها.

هذا الاحتلال الظالم والوحشية المفرطة والغدر المستمر في ما اصاب فلسطين، يأخذنا إلى مسار للكتابة عن الوضع السوري هذه الأيام رغم أني احاول جاد الابتعاد عن متاهات السياسة والسياسيين لوعورة طريقها واختلاف الآراء والمحاذير الكثيرة في مثل هذه القضايا، لا يوجد في السياسة المجرم بريء حتى تتم ادانته.

ما نلاحظه اليوم في تصرف الرئيس التركي بما يملك من طاقة عجيبة من بجنون العظمة يتصرف على احلام السلطنة العثمانية، في واقع بعيد التطبيق على الارض، يدخل يوما الأراضي العراقية ويوما اخر الأراضي السورية، ويحذر كل من يعترض عليه من تلك الدول ويتطاول عليهم بما يملك من المخزون من الثقافة «الاردى - غانية » فهو يريد احياء امبراطورية حتى لو كانت على انقاض المنطقة ودماء شعوبها، فكم من الدماء سالت وشعوب انتهكت بسبب تصرفات هذا « الأردى غان » الذي يعتبر اليوم أكبر قيادي سفكا للدماء وراعي للإرهاب وابو البلطجة الحديثة بدون منازع في القرن الحديث، فالحكم العثماني اندثر بعد ان عانا من ويلاتها القريب والبعيد انتهت بدون رجعة.

يذكرنا هذا «الأردى غان» بقصة الغراب والحمامة، فقد شاهد الغراب مشية الحمامة بما تملك من مشية جميلة فأراد ان يقلدها فلم يستطع الوصول الى مشيتها ولم يستطيع ان يرجع الى مشيته العادية، فأحلامه الواسعة جعلته يستخدم كل الوسائل من الإرهاب من قمع ومراوغة وابتزاز يحاول اللعب على جميع الاتجاهات فضاع بينها هذا و ذاك فوصل به الحال الى البلطجة السياسية يجتمع اليوم ويوقع ويخلف من بعدها ويهدد، اصبح الغراب الأعرج لن يفيده اي عكاز او كرسي متحرك فالمشكلة في العقلية.

فلم يكتفي بما فعله في ظل السنوات الماضية ضد الشعب السوري الذي اثبت حبه لبلده وتمسكه بسيادتها والدفاع عنها وما فعله « الأردى غان » في جعل تركيا محطة عبور للإرهابيين من جميع بقاع العالم راح ضحيته الملايين من الشعب السوري البريء وفي رقبة الرئيس التركي ومن يقف خله او من يسير على دربه، فاليوم سوريا بعد انتصارها على خوارج العصر التكفيريين الدواعش يدخل «أردى غان» الأراضي السورية محتلا لجزء من بلد ذو سيادة ومكانة على الصعيد العالمي خصوصا بعد النجاح الباهر في دحر الإرهاب وخسارة داعميه فكل هذا المخطط وما اصاب سوريا كان المستفيد الوحيد فيه الكيان الصهيوني وهو حليفهم وعندهم تبادل تجاري ضخم وعلاقات دبلوماسية وما يحدث في وسائل الاعلام من خلاف ما هو الا نوع من التورية والخداع، فقد خدمهم وقدم لهما ما كانو يتمنون ان يروه في سوريا من دمار والقضاء على الجيش السوري كما قضي على الجيش العراقي في مؤامرة واضحة فقد عاد العراق يبني جيشه ويرهب به أعداءه وبقى الجيش السوري شامخا مع كل ما خطط له من اجل القضاء عليه وانتهت المخطط الذي كان يرسم للعراق وسوريا بتقسيمها ولازال هذا الحلم في ادهان الحالمين واذا لم يستطيعون تحقيقه فلن يتركوا هذه البلدان ان تنعم بالأمان فإصرار الشعب السوري على وحدة أراضيه وتلاحمهم افشل كل تلك المخططات الخبيثة او نجحت لانتهت سوريا من الخارطة فالحرب ضد سوريا كانت من اشرس الحروب تكاتفت قوى الشر من جميع ارجاء الارض لمحاربة هذا الشعب الذي افشل مخططاتهم في ظل وضع معيشي مأساوي، فالعالم اليوم يضج بأزاماته الاقتصادية والسياسية ويبرز الشعب مثال للتكاتف والصبر نشاهد كل ذلك في استقبال القرى المحررة القوات السورية فرحا وبهجة وسرورا.

«فأردى غان» يدخل سوريا من اجل محاربة الأكراد وهم سوريين، ويوجد في تركيا مرتزقة سوريين خانوا بلدهم بحفنة دولارات شاركوا الدواعش في قتل الشعب السوري واحتلال اكثر الأراضي السورية، فهل يحق للدولة السورية ان تدخل الى تركيا ومحاربة من وصل حالهم الى مجرمي حرب والخيانة العظمى ضد دولتهم اصبحوا اليوم من الأثرياء وكبار رجال الاعمال بما سرقوه من قوة الشعب السوري وسلب خيراته وبيع نفطه في السوق السوداء تحت مظلة ودعم الحكومة « الأردى غانية ».

فالإجندات ضد سوريا من الغرب تنفد على يد «أردى غان» و ماهو الا جابي مقابل خدمات وسمسرة يقدمها ويستغلها من اجل مكاسب له على الارض بدون وازع اخلاقي ولا أعراف ومواثيق دولية أو دينية، فهذه السنوات الطوال كم من الشهداء والأيتام والثكالى والمصابين والمشردين والمهاجرين والمصائب كانت أكثرها من تحت يديه الملطختين بالدماء البريئة. في ظل واقع عالمي مطبق بالصمت بل بالموافقة على ما جرى ويجري اليوم بالدخول التركي في سوريا وتكرر كل تلك المأسي، خدمة لمصالح خارجية مدفوعة الثمن.

فالمحافل الدولية مواقفها ضد المصالح الاسلامية والعربية ليست وليدة اليوم بل تلبية لضغوط قوى كبرى عليها توجهها حسب مخططاتها وتطلعاته وما يخدم مشاريعها، فماذا فعلت الى فلسطين على امتداد قرن من الانتهاكات والظلم والقتل والتشريد، هل حمت ودافعت عن الشعب الفلسطيني، فاليوم الغزو « الأردى غاني » يفعل كم يفعله الجيش الاسرائيلي بلغ عدد النازحين في بداية الغزو أكثر من مائة الف شخص خلال اليومين الاوليين، اتهمت منظمة العفو الدولية القوات التركية والفصائل السورية الخائنة التي تتأتمر لأوامر تركية بارتكاب جرائم حرب في هجومها ضد المقاتلين الأكراد في شمال سوريا.

فالمشكلة الكردية مشكلة سورية بحته وتوجد مشاكل بينهم وبين حكومتهم، ولهم ولاءات خارجية ومواقف تأمرية وافكار انفصالية كل ذلك يبقى هم داخلي خاص بالدولة السورية، واذا توجد مشاكل حدودية تحل عبر الوسائل والقنوات السياسية بين الدول ليس بالاحتلال وتغيير الواقع على الارض مما يخلق مزيد من التوتر والقلاقل المستمرة.

فأثناء دخول القوات التركية نشاهد نشاط لمجرمي داعش في ظل الفوضى وانشغال الجيش السوري ومخاوف متزايدة في خروج ما يقارب 12000 سجين داعشي والآلاف من عائلاتهم من السجون الكردية والمخيمات وأعادة تموضعهم في سوريا والعراق او انتقالهم الى أماكن اخرى من العالم فهم حسب الطلب ومن يدفع اكثر، هم مجموعة مرتزقة تلعب بهم المخابرات وتشكل افكارهم وتبرز دورهم وتسلحهم.

فاليوم يسير «الأردى غان» على نهج أسلافة وما فعلوه في قبرص واحتلالهم لأكثر من ثلث قبرص ونهب مواردهم الطبيعية، اليوم يحتل اجزاء من الأراضي العراقية واجزاء من الأراضي السورية، اصبح العالم يتفرج على هذا الإجرام التي تقتل فيه الأبرياء وتشرد العوائل بسبب

اطماع سياسية وتلبية الى تطلعات شخصية يلبي فيها طموحاته، فتح على نفسه أبواب الجحيم وحرب استنزاف لا تستطيع تركيا تحملها في ظل ازماتها الاقتصادية وظروفها الداخلية المتردية وهذا ما تريده الولايات المتحدة من تركيا ان تصل هذه المكانة وإضعافها بانتهاء واستنفاد دورها في العراق وسوريا واستدراجها لمستنقع لن يخرج منه سالما، زد على ذلك الوضع الداخلي وهو غاية في الخطورة وهي بل تكثر فيه الانقلابات العسكرية، فقد اعتقل بسبب شكه بوجود محاولة انقلابية بأعتقالات كبيرة في عام 2016 وصل عدد من اعتقلهم الى 511 الف شخص ، ولا زال يعتقل المزيد، واعتقل 17 الف سيدة، حتى عام 2017، بين المعتقلين عسكريون ورجال شرطة وأطباء وقضاة ومحامون وصحفيون، كما اغلقت 189 وسيلة إعلامية منها 62 جريدة 192 مجلة، 14 محطة راديو، 29 قناة تلفزيونية، ولا ننسى ما يفعله من قتل للأكراد الترك وقصفه المستمر لهم وملاحقتهم داخل الحدود العراقية.

فالفكر «الأردى غاني» يعيش كذبة وهو الوحيد اللي صدقها انه يستطيع ان يحكم المنطقة في ظل أوضاعها المتردية وسكوت العالم عن الظلم الواقع عليها من هدم البنية العسكرية لتلك الدول في وضع اقتصادي.

مشكلة سوريا استقلالية سياستها وقوة مواقفها وثبات رأيها والمشكلة الكبرى مخالفتها قواعد اللعبة الغربية التي تصب في المصلحة الاسرائيلية، رفضت الاستسلام ولم تهرول الى كامب ديفيد، ولهذا كان لابد ان تحارب يوما لدكتاتوريتها ويوما لسياستها او قمعها لشعبها وكأن عالمنا الاسلامي واحة من السلام وجنة من الأمان.