آخر تحديث: 15 / 11 / 2019م - 4:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

الابداع.. المجتمع

محمد أحمد التاروتي *

التفكير خارج ”الصندوق“ يحدث الفرق بين البشر، فهناك فئات لا تفتك في اطلاق الأفكار غير الاعتيادية و”المجنونة“، في سبيل احداث قفزات غير طبيعية في التفكير الاجتماعي، الامر الذي ينعكس على المكانة الشخصية في المرحلة الآنية والفترة المستقبلية، بينما لا يجد البعض الاخر ”حرجا“ في السير على نمط موحد، باعتباره الخيار المناسب ولتفادي الدخول في مغامرات، غير محسوبة النتائج، انطلاقا من قاعدة ”عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة“، وبالتالي فان الفوارق في التفكير مرتبط بنمط الحياة، ومدى القدرة على التأقلم مع المتغيرات المتسارعة، سواء على الصعيد الاجتماعي الداخلي، او التحولات الكبيرة في العالم.

عملية الانطلاق لتجاوز الاطار ”الطبيعي“، تعتمد على الرغبة في تحقيق مكاسب على الصعيد الذاتي من جانب، وعدم القبول بالواقع المعاش من جانب اخر، مما يدفع باتجاه البحث المستمر عن الجديد، والتحرك بسرعة كبرى نحو احداث الفرق في التفكير، الامر الذي يتمثل في اطلاق العديد من المبادرات الجديدة، وغير المألوفة على الصعيد الاجتماعي، مما يشكل حالة من عدم التوازن، والتوجس تجاه التعامل مع تلك الأفكار ”المجنونة“، فالبعض ينظر لها كمجازفة لا تجلب سوى الخسارة والضياع والتخبط وعدم الاستقرار النفسي والاجتماعي، نظرا لارتفاع مستوى المخاطرة، وعدم وجود مؤشرات قادرة على رسم ملامح حقيقية، لتطبيقها على ارض الواقع، بينما يتخذ البعض الاخر مسارا مختلفا تماما، من خلال التعاطي الإيجابي، ومحاولة تقديم المساعدة، وعوضا من سياسة تكسير ”المجاديف“، الامر الذي يتجسد على شكل الدعم المعنوي، وأحيانا بعض الدعم المادي.

الاختلاف في التعاطي مع التفكير ”المجنون“، يمثل القراءة الحقيقية لاتجاه الشرائح الاجتماعية، فالثقافة الاجتماعية تدفع باتجاه المواقف المؤيدة أحيانا والمعارضة تارة اخرى، نظرا لاختلاف التفكير الشعبي تجاه التفكير ”الإبداعي“، مما ينعكس على صورة الدعم او المعارضة تجاه الأفكار الجديدة، وبالتالي فان الموقف الاجتماعي يكشف النمط الثقافي السائد لدى غالبية الفئات الشعبية، مما يستدعي وضع الحلول المناسبة للتعامل بواقعية مع المواقف ”المضادة“، او الطاردة للتفكير ”المجنون“، لتقليل حجم الخسائر او الانعكاسات المعنوية، على المسيرة التنموية لدى المجتمع.

إيجاد الظروف المناسبة لاستيعاب التفكير ”الإبداعي“، ليست عملية سهلة على الاطلاق، ولكنها ليست معقدة في الوقت نفسه، فهي بحاجة الى برمجة الأولويات والتفكير لدى غالبية الشرائح الاجتماعية، لاسيما وان التسربات التراكمية السلبية، تلعب دورا أساسيا في بروز الموقف المضاد، الامر الذي يعرقل الكثير من المشاريع ذات الأثر الكبير، على عملية البناء الاجتماعي في المستقبل، مما يستدعي إزالة تلك التسربات من العقل الجمعي، ومحاولة خلق برامج جديدة، تسهم في احداث تحولات جوهرية، في التعامل المرن مع التفكير ”الإبداعي“، لاسيما وان التفكير غير الاعتيادي يشكل الفرق، بين المجتمعات الحية والأخرى الميتة، بحيث تظهر على شكل العديد من الإنجازات، في مختلف المجالات ومناحي الحياة.

الابداع في مختلف المجالات العلمية والعملية، مرتبط بوجود مراكز بحثية وأجواء اجتماعية مشجعة، فالعملية ليست مرهونة بالرغبة فقط، وانما تتطلب وجود الأدوات اللازمة، بهدف ترجمة الأفكار الى مشاريع ملموسة على ارض الواقع، بحيث تشكل علامة فارقة في حياة المجتمع، خصوصا وان الابداع لا يحصد ثماره ”المبدع“ فقط، وانما تتوزع نجاحاته على البيئة الاجتماعية، باعتبارها احد العناصر الأساسية في احتضان العناصر المبدعة، فالمجتمع الذي يفتقر للبيئة الحاضنة، لا تثمر فيه العقول الإبداعية، بخلاف المجتمعات التي تحافظ على الادمغة الإبداعية، فانها تحصد الثمار في العديد من المجالات.

المجتمع لاعب أساسي في تشكيل الابداع لدى الافراد، لاسيما وان الابداع ينمو ويترعرع في البيئة المثالية، فالمجتمع الذي يقتل الابداع يبقى على الهامش، ويفتح الطريق امام الأمم الأخرى للتقدم والازدهار.

كاتب صحفي