آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 7:55 ص

أحاديث الأمل

أثير السادة

على كراسي الانتظار، أنت وخوفك ينتظران، نداء لمريض آخر تطلقه الممرضة في الممرات، لا تغادر كرسيك فالموعد مازال على مسافة من مرضى ينتظرون.. الصحف والمجلات تتناثر في زوايا قاعة انتظار الرجال، لكن الجوالات وحدها كفيلة بترحيل كل نوايا الكلام بين الوجوه التي لا تعرف بعضها.. في المقابل، تسند النسوة ظهورهن في الغرفة المجاورة، يصغين لصمتهن قليلا، بعدها تقرأ الواحدة للأخرى من دفاتر أوجاعها ما تيسر من سطور.. أجريت في القريب عملية في اليد اليسرى... وقبلها بثلاثة أشهر كانت اليد اليمنى ملفوفة هي الأخرى.. تقول إحداهن.. كنت لا أقوى على رفع شيء بها.. هي الآن على أحسن حال.. باتت قادرة على الإمساك بالأشياء ولو تضاءلت قوتها.. العمر له أحكام، تضيف وهي تختم قصتها.

النداء يأتي مرة أخرى، هذه المرة تذكر الممرضة بأن معاينة الطبيب قد تتأخر، فالعيادة التي يقودها طبيب واحد قد بدأت متأخرة عن موعدها المعتاد.. يبدأ الرجال بتعديل وضعية جلوسهم، يتأفف ذلك الجالس في المؤخرة وحيدا، ويستمر في النظر لجواله.. الصمت في قاعة الرجال لا يقطعه إلا حديث الواقفين على دكة التسجيل، أرقام طويلة يرددها كل واحد منهم ليتمكن المسجل من الكشف عن ملفاته في الجهاز.. تتداخل الأحاديث في الغرفة المجاورة في رأسك وأنت تحاول شغل وقتك بقراءة الصحيفة اليومية، مازالت المرأة الجالسة بالقرب من الجدار تسأل عن أسباب تواجدها في العيادة.. لا أستطيع أن أقبض يدي، توشك الأشياء أن تسقط حين أرفعها بها.. تقول بشيء من التنهد... مر عام وأنا بين أسعى بين العيادات، هذا الباب هو آخر الأبواب التي قصدتها.

النداء يأتي هذه المرة من الخارج، لا مريض فيه، هو نداء الصلاة، كلما انفتح الباب الذي يؤدي للخارج ارتفعت حدة الصوت، لا شيء يتغير في مشهد العيادة، الكل ينتظر، فيما معدتي تطلق أصواتها لموعد اعتادته في ساعات الدوام.. الدقائق تمر بطيئة وأنت تبتكر معاني لهذا الانتظار.. تشعر بأن المنتظرين يبالغون في طمس أوجاعهم، أو ربما في الانشغال المفرط بها، ماذا لو غادروا صمتهم وتبادلوا الحديث عن تجاربهم المرضية، تسأل نفسك، ماذا لو أصغى الخائف من مرضه لآخر قد تجاوز أوجاعه في القريب، تعيد ترتيب السؤال ثانية، وأنت تتذكر أطراف الحديث الذي يدور في الغرفة المجاورة، وتتخيل الطمأنينة التي تبعثها رؤيتك وجعا يشبهك وقد غادر دفاتر الآخرين.

ماذا لو؟..